الإخراج الرديء الذي رافق عملية إعدام الرئيس العراقي السابق صدام حسين، انعكاس طبيعي لحالة الانحدار التي يعيشها الواقع العربي، حتى بات الموت بلا حرمة أو حد أدنى من الاحترام للحظة إزهاق الروح أياً كان الاختلاف مع صاحبها، ورأينا كيف تنصل الأميركيون من الاهانات التي وجهت إلى صدام قبيل لفظ أنفاسه الأخيرة، وتحميل الحكومة العراقية مجريات ما حدث من «الألف إلى الياء».

بل ما هو أكثر مطالبة الأميركيين بتحقيق في ملابسات ما جرى على نحو ما شاهد العالم كله عبر الفضائيات من هتافات استفزازية، وتأكيد واشنطن أنها ضغطت على الحكومة العراقية من أجل تأجيل تنفيذ حكم الإعدام إلى ما بعد عيد الأضحى وعدم تجاهل الجوانب القانونية التي تحتم توقيع مجلس الرئاسة العراقية على تنفيذ الحكم، ورأينا كيف أعلن الرئيس الأميركي جورج بوش أن إعدام الرئيس العراقي السابق كان يجب ان يتم بطريقة «أكثر وقاراً».

على كل فإن من أرادوا طي صفحة صدام على هذا الشكل، تجاهلوا كونهم يفتحون صفحات أكثر غيوما على المستقبل الذي لا يعلم إلا الله إلى أين سيقود العراق، الذي سيحتاج إلى فترة طويلة للملمة الجراح الغائرة التي رافقت ما قبل الاحتلال الأميركي وحتى اللحظة المعاشة بما حفلت به من أحداث جسام.

لقد ألقت عملية إعدام صدام ظلالا من الشك على جهود المصالحة الوطنية العراقية التي بدأت بمؤتمر القاهرة الذي رعته الجامعة العربية، ومرورا بوثيقة مكة لحقن دماء العراقيين، وأخيرا مؤتمر القوى والكيانات السياسية الذي عقد في بغداد، وإذا بالأمر يعود إلى المربع الأول، رغم أن العراق في أمس الحاجة إلى مصالحة حقيقية تنقذه من شفير الحرب الأهلية التي طالما حذر ولا يزال كل من يهمه الشأن العراقي وحريص على خروج أبنائه من هذا المستنقع المخيف من العنف والعنف المضاد.

وعلى خلفية إعدام صدام يستعد بوش لإعلان إستراتجيته الجديدة في العراق، وفي رأسه الأغلبية الديمقراطية في الكونغرس التي تقف في الطرف الرافض لزيادة عدد القوات الأميركية التي يتوقع ان تتضمنها خطة الرئيس الأميركي لاحتواء حالة «اللا نصر واللا هزيمة».

وكما تشير التوقعات فإن الاستراتيجية التي ينتظرها الجميع لإحداث تغيرا ما في الطريقة الأميركية للتعاطي مع الملف العراقي، ستتجاوز التوصيات والنصائح التي حملها تقرير لجنة بيكر هاملتون، والتي اعتبرها بوش شروطا واملاءات، رغم ما تضمنته من وضع الأنامل على الجروح، ووصف طرق العلاج الناجع من وجهة نظر واضعي التقرير، الذين يحظون بالاحترام في الأوساط السياسية الأميركية.

لكن يبدو ان الرئيس الأميركي لا يزال يرى نصراً شبه مستحيل في العراق، يمكن تحقيقه، بغض النظر عن الفاتورة الباهظة التي تدفعها القوات الأميركية التي تخطى عدد قتلاها حاجز الثلاثة آلاف قبل شروق شمس أول يوم في عام 2007. العراق يحتاج من الإدارة الأميركية الى التخلي قليلا عن منطق المكابرة والاعتراف بالحقائق الموجودة على واقع الأرض،

والتي تقول إن أكثر من ألف مدني عراقي يموتون كل شهر وفقا لإحصاءات وزارة الداخلية العرقية، وان مئات الآلاف من التلاميذ والأساتذة امتنعوا عن الذهاب إلى مدارسهم ومعاهدهم خشية الموت المتربص في الطرقات، ناهيك عن النزوح شبه الجماعي عن بلاد الرافدين إلى الدول المجاورة بحثا عن الأمان.

أما استمرار بوش وإدارته في الإصرار على انجاز مهمة، أثبتت الأيام فشله في تحديد معالمها أصلا، ناهيك عن القدرة على انجازها، نوع من الغطرسة التي كانت سببا في انهيار شعبيته وهزيمة حزبه الجمهوري في انتخابات الكونغرس. ومن غير ان تتضمن استراتيجية بوش مسارا واضحا للخروج من العراق وعلاج ما صنعته الدبابات من تخريب ودمار لن يكتب لأي روشته أميركية النجاح.