طيلة أشهر سبعة كان اتحاد المحاكم الإسلامية هو المسيطر الفعلي على مجمل الأراضي الصومالية مهددا الحكومة المحاصرة في بيداو بالسقوط في أي لحظة وكان يكفي دخول خمسة عشر ألف جندي أثيوبي أرض الصومال بضوء أخضر أميركي وموقف راوح بين عدم الممانعة والتأييد الضمني من مجمل المحيط الدولي والإقليمي تحت عنوان تلزيم إعادة الأمن لقلب الوضع رأسا على عقب بعد سقوط موقاديشو ثم كيسمايو آخر معاقل قوات الاتحاد ومركز انطلاقها الأساسي وعاصمة دولتها الموعودة.

كثيرون اعتبروا أن الدور الاثيوبي، دور المرحلة مطلوب ولو لفترة وجيزة أو على الأقل يمكن التغاضي عنه مرحليا لإنقاذ الصومال من أحد بديلين خطيرين: السقوط في الفوضى المطلقة مع طلبنة جزئية أو الطلبنة الكلية التي كان اتحاد المحاكم الإسلامية على وشك تحقيقها قبل أن يبدأ التقهقر من على أبواب بيداو.

ولكن هل انتهت الحرب وولت إلى غير رجعة بواسطة الحسم العسكري الخارجي وفتحت بالتالي صفحة جديدة ، صفحة من نوع آخر، في تاريخ الصومال المأساوي. المطلوب أكثر من تفاؤل ساذج وجهل مطلق بالاجتماع والتاريخ والجغرافيا الصومالية حتى يكون الرد إيجابيا. الصومال، إحدى أفقر الدول الإفريقية،

شهد منذ ولادته عام 1960 نزاعات مختلفة بعناوينها وأهدافها وفرقائها. فبدت هذه النزاعات وكأنها سمة طبيعية في حياة هذا البلد مع استثناءات زمنية قصيرة نسبيا. الصومال بنشأته وتاريخه يمثل مرآة لإفريقيا وصورة مختصرة لصواعق التفجير العديدة في القارة السمراء وفي مجتمعاتها.

تركيبة الصومال الإثنية التي تعبر، من خلال عنصر وحدة الانتماء مع بعض مكونات دول الجوار، حدوده الرسمية تجعله في حالة علاقات التباس وقلق وتوتر مكبوت أو متفجر مع كل من كينيا وإثيوبيا وجيبوتي. هذه التركيبة ساهمت في دفعه إلى حرب مع اثيوبيا عام 1977 وإلى حالة انفصالية وقيام جمهورية أرض الصومال عام 1991.

نموذجان ساطعان عن التوتر الذي تحمله التركيبة الإثنية معطوفة على الانتماءات القبلية والمناطقية. الفشل أيضا كان نصيب الصومال منذ اللحظة الاستقلالية لغياب النخبة التحديثية أو القوة السياسية الحاملة لمشروع سياسي في عملية بناء مؤسسات الدولة وخلق البنية التحتية لدورة اقتصادية وطنية. فبقي الاجتماع التقليدي تعززه المصالح السياسية والاقتصادية، قوة مانعة أمام بناء الدولة، إنها قصة إفريقية بامتياز.

ثم كان الموقع الاستراتيجي في قلب القرن الإفريقي الغني بالنفط والذي يشرف على أهم الممرات البحرية لنقل الطاقة والقريب جدا من مواقع استخراج النفط في الخليج، ليزيد من التنافس الدولي والإقليمي الشديد لاقتطاع جزء من الحلوى الصومالية إذا لم يكن من الممكن الاستيلاء عليها كليا.

حرب الصومال، التي ربما تعيش وقتا مستقطعا أو تمر في استراحة المحارب، تحتضن حروبا عديدة مختلفة منها الحروب القبلية والاثنية الداخلية بتحالفاتها المتحركة ومنها الحرب الصامتة والمستمرة ضد مشروع بناء دولة طبيعية، تقوم بها فيدرالية دول الأمر الواقع أيا كانت أطرافها

ورغم تبدل مواقع تلك الأطراف، ومنها الحروب الإقليمية، حروب التنافس وبناء النفوذ مثل الحرب الإثيوبية الاريترية التي عادت لتشتعل بالواسطة على المسرح الصومالي معلنة السقوط العملي لاتفاق الجزائر لعام 2000 الذي أنهى حرب السنتين بينهما، حرب الحدود والنفوذ.

إنها رقعة الشطرنج الصومالي التي تنتظر أرتيريا أن تنشغل وتتورط فيها اثيوبيا، حتى تعزز موقعها في لعبة التنافس، وهنالك أيضا الحرب الاستراتيجية الأميركية الغربية ضد الإرهاب وهي تعتبر حرباً وقائية في الصومال تهدف إلى منع تحول «الدولة الفاشلة» إلى قاعدة جديدة للقاعدة وأصدقائها وهي حرب أيضا في صدد أخذ بعد «وطني» صومالي ضد التدخل الأجنبي الاثيوبي، ولو أنه «مغطى» داخلياً،

وهي أخيرا حرب تحمل طابع مواجهة استراتيجية «حضارية» بين العالمين الإسلامي والغربي كما يحاول اتحاد المحاكم الإسلامية تصوير طبيعة المواجهة الدائرة.الصومال اليوم يقف على مفترق طرق بين بداية الخروج من النفق الذي لم يعرف غيره الصوماليون والدخول مجددا في النفق المظلم ذاته ولو في قطار مختلف وسائق آخر وسرعة مختلفة.

خمس ملاحظات تستدعي التوقف عندها لإنقاذ الصومال وطي كتاب الحروب بصفحاته المختلفة:

1ـ إن الدور الخارجي عنصر تغيير مساعد ولكنه غير قادر على تثبيت وضع جديد يحظى بالشرعية خاصة لصعوبة قبول الأجنبي كمهندس للبناء الوطني إلى جانب وجود عداء تقليدي عند مكونات عديدة من الشعب الصومالي تجاه اثيوبيا. واشنطن جربت في بداية التسعينات تغيير الوضع في الصومال عبر التدخل المباشر ولكنها منيت بفشل ذريع. الوقت عنصر ضاغط ويؤدي إلى تآكل الموقف والعودة إلى نقطة الصفر إذا لم يتم بناء السلم المجتمعي.

2ـ الدعم والتعاطف اللذان حصل عليهما اتحاد المحاكم الإسلامية كان بسبب توفير الأمن للمواطن وإنقاذه من براثن الميليشيات المتقاتلة والحكومة الحالية المكونة أساسا من فيدرالية زعماء ميليشيات وأمراء حرب يحملون مسؤولية كبيرة عن ما آلت إليه الأوضاع، أمامها اليوم تحدي التحول إلى سلطة شرعية وليس الاستمرار كسلطة أمر واقع وتحالفات ظرفية أنتجها وضع إقليمي دولي معين.

3ـ تعزيز الاستقرار والأمن في مجتمعات ممزقة وفي ظل غياب الدولة لا يمكن أن يتم إلا من خلال عملية سياسية شاملة وواسعة وذات آفاق واضحة تقوم بها السلطة المركزية مع توفير الدعم الخارجي لذلك.

4ـ إذا سقط الصومال من جديد في الحرب فإن هذه ستهدد بإشعال منطقة القرن الإفريقي كلها، المنطقة الحاوية لصراعات ونزاعات مختلفة ومتداخلة لذلك تبقى عملية إخماد النار الصومالية ضرورية أيضا لتلافي اشتعال حريق إقليمي شامل.

5ـ تجربة الصومال في الماضي وتجارب أفغانستان والعراق في الحاضر تدل على أن التسويات الأحادية العسكرية المفروضة من الخارج لا يمكن أن تشكل عملا إنقاذيا ناجحا، فشروط النجاح تكمن في عملية متعددة الأطراف عبر مقاربة إقليمية مدعومة دوليا. وفي هذا السياق

يبقى التركيز ضروريا على الإسراع في إرسال قوة حفظ سلام إفريقية لا تضم أطرافا من دول الجوار ومدعومة إفريقيا وعربيا ودوليا، كمدخل عملي وواقعي لإنقاذ الصومال من مأساته المستمرة. فالوقت داهم وسرعة التحرك الصحيح مطلوبة لأن نافذة الإنقاذ لا تبقى مفتوحة لفترة طويلة كما علمتنا تجارب مماثلة.

كاتب لبناني