مطلوب منا أن نصدق أن سلطات الاحتلال الأميركي حاولت المستحيل لكي يتم تأجيل تنفيذ حكم الإعدام بصدام حسين إلى ما بعد عيد الأضحى مراعاة لمشاعر المسلمين، ولكنها لم تنجح (!!) لأن الحكومة العراقية «رفضت!!» الطلب الأميركي، ووجدت أميركا نفسها «مضطرة!!» لتسليم صدام خوفاً من بطش حكومة المالكي!

ومطلوب منا أيضا أن نصدق أن الصور التي تم التقاطها بكاميرا التليفون المحمول للحظات الإعدام قد تمت خلسة!! وأن أنصار مقتدى الصدر قد جاءوا إلى القاعة في السر!! وأن الشريط تم «تهريبه» أو «تسليمه» ليذاع دون علم الحكومة أو سلطات الاحتلال!!

ومطلوب منا بعد ذلك أن نصدق أن إعدام صدام في العيد لم يكن متعمداً، وأن الحكاية كلها هي «الفرق في التوقيت» لأن العيد عند الإخوة الشيعة كان في اليوم التالي!! ثم مطلوب منا بعد أن نصدق هذا كله أن نطمئن على مستقبل العراق المنكوب وأن نصدق الرئيس الأميركي بوش حين يصف كل ما حدث بأنه «انطلاقة كبرى على طريق الديمقراطية»؟!

وبداية فلا يوجد عاقل واحد كان لديه شك في أن مصير الرئيس العراقي السابق بعد اعتقاله لن يكون إلا الإعدام. ولكن المشكلة أن سلطات الاحتلال الأميركي حين اعتقلت صدام ووضعته أمام أجهزة الإعلام كانت تتصور أن ذلك سينهي جزءاً أساسياً من المقاومة المشتعلة ضدها، ولكنها بعد ذلك وجدت نفسها أمام أكثر من معضلة.

ـ فمن ناحية كانت هناك أوضاع قانونية تقول إن صدام هو رهينة حرب، وأنه لا يجوز أن يحاكم من قبل سلطات الاحتلال، أو في ظل أوضاع لا تتوافر فيها الحقوق التي تفرضها القوانين الدولية.

ـ ومن ناحية أخرى كانت الطريقة التي اتبعتها سلطات الاحتلال الأميركي في إقامة نظام جديد على أسس طائفية قادت في النهاية إلى حرب طائفية، كانت هذه الطريقة تتلازم مع جهود حثيثة لتحميل طائفة «السنة» كل سلبيات نظام صدام حسين، ورغم إدراك الجميع أن نظام صدام يمكن أن يحاسب على أخطاء وجرائم كثيرة ولكنه كان نظاماَ علمانياً. وقد فشلت كل المحاولات الأميركية للربط بينه وبين تنظيم «القاعدة» لأن نظام صدام كان في حرب مع مثل هذه التيارات حتى في الوقت الذي كانت هذه التيارات تتحالف مع أميركا.

ـ ومن ناحية ثالثة كانت مشاعر الثأر لا تأتي فقط من الزعامات الكردية بحكم الحروب الطويلة وما توجهه ما اتهامات للنظام السابق بارتكاب جرائم حرب ضدها، ولا من تنظيمات شيعية توجه اتهامات مماثلة لصدام ونظامه، ولكن أيضا من جهات أخرى تحمل صدام مسؤولية حرب الخليج الأولى

وما تركته من دمار، بالإضافة إلى الأشقاء في الكويت الذين قاسوا ويلات الغزو العراقي لبلدهم، ودفعوا الفواتير الغارمة بالتدمير الذي لحق ببلدهم، ومازالوا يدفعون هذه الفواتير ـ مع غيرهم ـ وجوداً أجنبياً لا أحد يعرف متى ينتهي ولا كيف سيتم التعامل مع آثاره السلبية المقبلة .

ـ ومن ناحية رابعة كانت محاكمة صدام محاكمة عادلة على الفترة التي حكم فيها العراق أمراً لا يمكن لأميركا أن تتحمل نتائجه، ولا لغيرها من الأطراف الدولية ولا الإقليمية. لأنه سيكشف الدور الذي قامت به أميركا لدفعه إلى خوض الحرب ضد إيران وتآمرها مع أطراف أوروبية حليفة لمد الطرفين بالسلاح لاستمرار الحرب واستنزاف البلدين.

ولأنه سيكشف الدور الأميركي الخفي في تشجعيه على غزو الكويت تمهيداً لتصفية العراق كقوة عسكرية واقتصادية وسياسية. ولأنه سيكشف العلم الأكيد لدى الإدارة الأميركية بعدم امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل، وسيعري صفقات سياسية وعلاقات مخابراتية أثرت في تاريخ المنطقة لسنوات طويلة.

لم يكن ممكناً أن تغامر أميركا بمحاكمة حقيقية لصدام، ومن هنا لجأت إلى حكاية المحكمة العراقية التي اختارت لها أن تكون على حدثين يتعلقان بالشيعة في الجنوب والأكراد في الشمال.. استمراراً لمخطط الفتن الطائفية تمهيداً لتقسيم العراق، وابتعاداً عن القضايا الأساسية التي قد تكون المحاكمة عليها سبيلا لفتح ملف العلاقات بين أميركا وصدام وكشف أسرار لا تريد واشنطن كشفها، وكانت النتيجة ان تحولت المحاكمة إلى مهزلة انتهت بإعدام صدام بالصورة التي تم بها وفي التوقيت الذي أثار الجدل وفتح الأبواب لمزيد من الصراع في العراق المنكوب.

لماذا الآن؟ ولماذا الإصرار على تنفيذ الإعدام في أول أيام عيد الأضحى؟ ولماذا «الحرص» على إعطاء الحدث بعدا طائفياً «بجلب أنصار الصدر والحكيم ليشهدوا تنفيذ الإعدام؟ ثم لماذا «الحرص» على تسجيل المشهد بأبعاده الطائفية وإذاعته على العالم والكل يدرك آثار ذلك داخل العراق وخارجه؟

لا شك أن الرئيس الأميركي بحاجة إلى أي شيء يقدمه على أنه «إنجاز» أمام الرأي العام الأميركي وهو يواجه حملة تظاهرات احتجاجية على الحرب في العراق بمناسبة وصول عدد قتلى الجيش الأميركي إلى ثلاثة آلاف (وفقا للأرقام الرسمية الأميركية) ثم وهو يواجه بداية الصراع مع الكونغرس ذي الأغلبية الديمقراطية التي تريد اعترافاً بخطأ قرار الحرب وتطبيقاً لتوصيات لجنة بيكر ـ هاملتون بالانسحاب التدريجي من العراق، وهو ما يبدو ان الرئيس الأميركي لا يريده بل يسير على عكسه بالإعلان عن زيادة القوات الأميركية في العراق ولو مرحلياً.

أيضا قد ترى الإدارة الأميركية في إعدام صدام وفي البعد الطائفي الذي أسبغته عليه رسالة إلى طهران من ناحية، وإلى حلفائها في العراق من ناحية أخرى، بأن التوجه للاستعانة بالذين سبق أن تم تسريحهم من الجيش وأجهزة الدولة العراقية لمواجهة الأوضاع المتدهورة لا يعني عودة «البعث» بأي صورة من الصور.

ولكن.. لماذا تتصرف الإدارة الأميركية بعيداً عن القيم الأخلاقية بلا أي مبرر؟ ولماذا تقدم نفسها كميليشيا لا تختلف في تصرفاتها عن الميليشيات التي تتباهي بإعدام الرهائن أمام كاميرات الفيديو؟ ولماذا توافق على إسباغ البعد الطائفي على حدث كان ينبغي أن يقتصر الجدل حوله على الأبعاد السياسية والقانونية؟

وما هي الرسالة التي تريد توجيهها من خلال كل ذلك.. ولمن توجه هذه الرسالة؟ أسوأ الاحتمالات أن تكون إدارة بوش قد حسمت أمرها بتبني فكرة يتم تداولها منذ فترة وتعارض بذل الجهود لتحقيق المصالحة الوطنية في العراق باعتبارها مضيعة للوقت، وتؤكد على عدم جدوى التفاوض مع السنة ودعم التحالف بين الشيعة والأكراد باعتباره التحالف المضمون.

إذا كانت إدارة بوش قد حسمت أمرها هذا الاتجاه فنحن أمام وضع بالغ الخطورة. فالحسم هنا يعني الإقرار بتقسيم العراق، ويعني إزالة العقبات أمام تحقيق التوافق بين تيار الحكيم وتيار مقتدى الصدر (وإعدام صدام خطوة في هذا الطريق) لتجميع الميليشيات الشيعية وتكريس التقسيم الطائفي والسيطرة الكاملة على الجنوب وربما على بغداد نفسها. والحسم هنا يعني أن الحرب الأهلية ستطول وأن أطرافاً عديدة ستتورط فيها، وأن آثارها لن تنحصر في العراق بل ستمتد إلى المنطقة، وأننا ـ كعرب ـ سنظل ندفع الثمن لأجيال عديدة قادمة.

اعرف أن المشاعر تتضارب بشأن صدام حسين، وهذا أمر طبيعي إزاء رجل حكم قطراً بحجم العراق في مرحلة شهدت تغيرات حاسمة في المنطقة والعالم، ودخل في صراعات إقليمية ومع أطراف دولية لتكون نهايته الدرامية متزامنة مع وضع مأساوي في العراق وفي المنطقة، ولكن القضية هنا تتجاوز شخص صدام إلى مصير العراق ومستقبل العرب،

ومن هنا فإن ردود الفعل لا ينبغي أن تظل محصورة بين إعلان الحداد وإقامة سرادقات العزاء في جانب، ولا الشماتة وطغيان مشاعر الثأر الرخيص في جانب آخر، ولا الصمت العاجز في جانب ثالث. وإنما الأمر ينبغي أن يتجاوز كل ذلك لكي نواجه الكارثة التي تتفاقم في العراق، ولا نسقط في الفخ الذي ينصب للأمة لكي تنساق إلى الحرب الطائفية التي كانت منذ بداية غزو العراق جزءاً من مخطط اليمين الصهيوني الأميركي للمنطقة العربية.

لقد أراد الذين صمموا على إعدام صدام في أول أيام عيد الأضحى وعلى وقع صيحات الثأر الرخيص والطائفية في أسوأ صورها أن تكون رسالة للجميع بأن العراق (والعرب بعد ذلك) عليهم أن يسلموا بموازين قوى جديدة تتم ترجمتها الآن بتقسيم العراق، وستتم ترجمتها غدا في باقي المنطقة العربية إذا لم يستيقظ العرب من غفوتهم وإذا لم يرفضوا الوصاية الخارجية أيا كان مصدرها،

وإذا لم يبدأوا على الفور بخلق مظلة الأمن العربية التي تبدأ بإنقاذ العراق من الكارثة ومنع استنساخها في لبنان، وغيره من الأقطار العربية، وذلك بإدخال الجميع ـ سنة وشيعة ومسيحيين أيضا ـ تحت المظلة العربية التي ستظل هي الوحيدة القادرة على توفير الحماية والحفاظ على الهوية وصيانة المصالح الوطنية.

وليكن ما حدث في أول أيام عيد الأضحى جرس إنذار أخيرا بأن خلاص العراق (وخلاص الأمة) لن يكون إلا في إطار عربي قومي، ودونه سندخل حروب الطوائف وحكم الميليشيات التي كان آخرها ميليشيا الرئيس بوش التي أصبحت تنافس ميليشيات الإرهاب في الانحطاط الأخلاقي وارتكاب جرائم الحرب التي تمتلك الوقاحة الكافية لوصفها بأنها خطوات على طريق الديمقراطية!!.

نقيب الصحافيين المصريين