أضحوكة هي مستوى زعامات الانقلابيين العرب، من عسكر ومن أحزاب، في مستوى الفكر والثقافة والتواصل مع الواقع الدولي، والأضحوكة ليست شيئاً جديداً في عالم السياسة فقد سجل التاريخ الكثير عن قيادات جاءت بالصدفة لتتولى مهام فوق طاقتها، نجدها حتى بين الملوك الذين يتوارثون الحكم باستعدادات وتأهيل،
وربما يأتي الملك فاروق في الصف الأول من الخائبين في لائحة الوراثة، وخارج عالم الشرق الأوسط نتذكر آخر ملوك فرنسا البائس لويس السادس عشر الطيب الخائب الذي تفوقت عليه زوجته الملكة ماري انطوانيت بقوة شخصيتها في محاولتها التخلص من الاعتقال والسجن ثم الإعدام.
السيد صدام حسين واحد من الذين جاءت بهم الصدفة إلى الرئاسة بأسلوب البلطجة الذي تثقف فيه منذ الصغر، ومارس فيه أسلوب الخديعة والخناجر التي نشاهدها في مسرحيات شكسبير ومسرحيات أوروبا في القرون الماضية. يهمنا جداً أن ندرس كيف تتيح الظروف لواحد مثل صدام حسين أن يحكم العراق، وهو قاصر فكراً وثقافة ومكانة، فلابد أن هناك خللاً كبيراً في قواعد الحكم ومؤسساته تسلل منها صدام حسين وقبله نكرات الثورة العراقية،
وجدت في هذا الخلل ممراً إلى أعلى المناصب في بلد يستحق أفضل الممكن، ويمكن أن يدرس الباحثون في العراق وفي غيره من الدول العربية المسببات التي تتيح للتفاهات أن تقود وتدمر وتنتهي بإرث مزعج من التخلف والتعاسة والضياع. هل يمكن أن يشهد العراق أو غيره نسخة أخرى من صدام؟
ليس مستبعداً أن نرى صيغاً لا تختلف عن الإرث الصدامي، طالما أن ثقافة القطيع ـ كما يحددها الشيخ سليمان العودة ـ تتواصل في هذه المجتمعات، وكيف تغلق المنافذ في وجه احتمالات سيطرة البلطجة، ربما هذا هو التحدي الذي يتركه إرث صدام حسين.
أولاً: لنعترف بأن الغياب الديمقراطي والمؤسساتي القائم على المحاسبة والمساءلة والشفافية لا يتوفر في الدول العربية الثورية والأيديولوجية، وأن الشعوب ما زالت تمارس فكر العوام الغوغائي الذي يبتز ويهدد ويعتدي ويسحل، وما زالت الشعوب مفتونة بالقباضيات أصحاب العضلات حاملي الخناجر والحناجر، فقد شهدنا الكثير من التفاعل التلقائي من هؤلاء العوام مع واقع البلطجة،
فحاملو صور صدام حسين في مخيمات فلسطين ولبنان، ومن عاصمة الأردن، يظهرون الأحزان على فقدان شيطان كبير من شياطين القطيع لثقتهم بأن مثل هذا الشيطان يبهجهم بمضايقاته لعالم كبير سواء في الولايات المتحدة أو حتى في الدول الخليجية الهادئة التي يتحرش بها دائماً هذا القبضاي، وتكريس النهج الديمقراطي يستغرق وقتاً ويحتاج إلى محلات تثقيف، وإلى بناء بيئة مختلفة وليس من السهل خلقها في الزمن القريب.
ثانياً: لنعترف أيضاً بأن الطبالين والهتافين وأمراء العوام فاسدون مرتشون هم الذين ينظمون المواكب ومظاهرات التهريج واستعراضات التأييد والمبايعة، نراها في الأردن التي أغدق صدام حسين من خيرات العراق في عطايا للنقابات الأردنية وللصحافة والإعلام وأحزابها وسياسييها، وهنا يكتب الناقد الأردني د.شاكر النابلسي بأن حجم أكتاف الكثير من الزعامات الأردنية النقابية والسياسية والدينية والثقافية هو من ذهب صدام،
ومما سرقه من الشعب العراقي، وعندما خلع صدام في إبريل 2003، لجأت ابنته رغد إلى الأردن وتابعت الإنفاق بسخاء على هذه الفعاليات، وظهر ذلك واضحاً من الجيش العرمرم من المحامين الأردنيين الذين دافعوا عن صدام أثناء محاكمته، وأنها ـ رغد ـ ما زالت تصرف بسخاء على البعض من دهماء ومن المثقفين والنقابيين والسياسيين، وما يلفت النظر أن جيوش المنافقين والمتكسبين لا يظهرون
اعتباراً لمآسي الشعب العراقي التي سببها صدام حسين ولا تعاطفاً مع من أعدم أهله وسجن أقاربه، وشرد مواطنيه، ولا يهتم هذا الجيش من الدجالين بما حل بأهل الكويت ومعاناة شعبها من صدام حسين، ولا بما تحمله الشعب الكردي المجاهد، والأغلبية من الشعب العراقي، فالرشوة والانتفاع والتزلم قضى على الأحاسيس، وعلى آدميتهم.
ثالثاً: ولنعترف أيضاً بأن ثقافة العوام والقطعان أفرزت حالة من الغرور لدى صدام حسين عندما انكشفت أمامه سهولة الصعود إلى أبواب الزعامة عبر المال والرشوة وشراء الضمائر، وقد وصل الغرور إلى حد التصور بأن حماية إلهية وفرها الخالق للرئيس صدام حسين ليواصل مشروعه الإنساني السياسي والثقافي والنهضوي.
أخبرني رجل السخاء والثقافة السيد عبدالعزيز البابطين بأنه قام بزيارة إلى بغداد وقابل صدام حسين - ولأن عبدالعزيز بابطين رجل محسن أعطى الكثير لمساعدة العراق في مقاومة المد العسكري الإيراني، سأله صدام حسين - كانت إيران في ذلك الوقت تضرب بالمدفعية مناطق شمال بغداد- إذا لاحظ أي نوع من الفزع في الرئاسة وهل تبدو على الرئيس صدام علامات القلق؟..
ويواصل صدام حسين تعليقه بأنه غير الرئيس جمال عبدالناصر ـ الذي خلال حملات السويس يخطب ويثير وينرفز، صدام من طينة أخرى، طينة الصلابة وهدوء الأعصاب، بموجة غرور عارمة وطاغية.كان صدام حسين يتحرك بشعور بأن القدر اختاره لقيادة العراق من أجل وضع العراق في مكان آخر لائق في صف الدول المتقدمة، وبجغرافية مختلفة وبامتيازات إقليمية مضمونة ودائمة..
كان يقول للوزراء الخليجيين الذين زاروه خلال حروبه مع إيران، بأنه جاء إلى العراق وشعبه ثلاث فصائل، جاهل وعلمه صدام، وجائع وأطعمه صدام، وحاف وألبسه صدام، كان يقول بأنه جاء وشعب العراق سبعة أو ثمانية ملايين وصار 18 مليوناً وإذا فقد سبعة ملايين فلا ضرر في ذلك،
هذه محطات مسجلة لكنها معبرة عن فكر ملوث متصوراً بأنه على موعد مع القدر ليقود الأمة، ويحمل الأمانة بالقرار التاريخي، بهذا الشعور تحرش بإيران وغزا الكويت وتدخل في سوريا، وتعالى على مصر، وتفرعن على أهل الخليج، وحقر الغرب، وهدد إسرائيل بالصواريخ، في أداء مسرحي من صنع الفبضايات.
كما مارس السيد صدام حسين، أسلوب كيم ايل سونغ ـ زعيم كوريا الشمالية- في شخصنة الدولة كلها وفي التأليه والعبودية، في نهج مرسوم من أجل أن يتربع صدام وبشكل دائم في بطن الممارسة الاعتيادية اليومية للشعب العراقي وبدون حياء وبلا إحراج لأن ثقافة العوام والقطعان عديمة الحياء.
وتنتج شيئاً آخر وهو انعدام المروءة ونكران الجميل، نجد تلك الظاهرة في علاقاته مع دول الخليج ، وبالذات مع الراحل المتميز الشيخ جابر الأحمد، فلا شعور بالعرفان وتسفيه للدور الخليجي في تثبيث العراق في وجه الحملات العسكرية الإيرانية، ونراها حتى في الوصية التي تركها داعياً إلى مواجهة الفرس الذي يتخوف على مستقبل العراق منهم.
وصدام مثل زعماء الرعاع يحرص على التسلل إلى موقع خاص في التاريخ، كان الشعور بالمأمورية التاريخية يتسيده، حريصاً في مظهره على حكم التاريخ، وفي أدائه حتى وهو تحت المشنقة يرفض غطاء الوجه ويتداخل مع الحراس بنعرة حادة، مع أن المشهد لا يتيح المواجه،
لكنه حريص مثل الآخرين من رواد القطعان أن يسجل بأنه ظهر ـ كما يكتب أحد الكويتيين ـ متماسكاً ناطقاً بالشهادة ينظر إلى جلاديه بشجاعة، ويرد عليهم بكل رجولة، بينما هم في حالة هستيرية، هذا ما يبتغيه صدام حسين أن يقال عنه أنه علو في الحياة وعلو في الممات، وأن يتواصل هذا الشعور تحمله الأجيال عبر السنين القادمة..
تبقى حقيقة هامة في الحياة، وهي أن الذين يملكون محسودون لكنهم منتصرون في النهاية، لأن منعطفات الحياة تدفع بالبائسين بحثاً عن المساعدة من الذين يملكون، والقادرون على التخفيف من ثقل البؤس، وسنرى في الأيام القادمة توضيحات وتفسيرات لمواقف سفيهة من هؤلاء المتسولين.
كاتب كويتي
abdullah_bishara@yahoo.com