صاحب الضمير بالتأكيد لا ينسجم مع مشاهد «الغباء» والعربدة المتواصلة في القطاع المغلوب على أمر سكانه (غزة)، الكل يحمل الكل مسؤولية الانحدار إلى الهاوية، ولا أحد يرحم أو يلتمس عذراً لأخيه، لأن ما يدور من كوارث إجرامية أخلت ببنية العائلة الواحدة تضع الرؤوس عن جدارة في أعماق الرمال كما تفعل النعامة، ولكن هل لأحد لا يزال يحتفظ بعقله ساكناً في أعلى الجسد البشري أن يتخيل الواقع الفلسطيني المتردي يوماً عن يوم بفعل أنانية أناس لا تؤهلهم تصرفاتهم القيادية المعاشة أن يتولوا أمر قطيع من الأغنام.
قصة حديثة قديمة، كانت مدينة خانيونس في غزة مسرحاً لأحداثها قبل عدة أيام، ينقلها بموضوعية أحد الملتحقين بقافلة البحث عن عيش كريم في بلد عربي آخر، هرباً من أوجاع الحروب وأزيز الرصاص «الصديق» الذي لا يغادر سماء غزة، هذا الشاب يصلي ويصوم ويعرف ربه كما تفعل جموع المسلمين، ولا يدعي على الأقل انتماءه إلى حزب على حساب آخر، مثلما هو ليس ممن ينضوون تحت الشعارات التي يدعيها البعض.
لن أطيل وسأترك لهذا الشاب المعتز بانتمائه إلى فلسطين رواية المشهد الأخير الذي لاحقه في مدينة خانيونس قبل أيام قليلة. ففي عصر يوم قريب خرج المدعو معتز الطويل، الذي لا ذنب له سوى أنه يعمل ضابطاً في جهاز الأمن الوقائي الفلسطيني، وهذا الشخص معروف بين أبناء بلده بتدينه وسمو أخلاقه، ووقوفه الدائم إلى جانب المحتاجين،
وهذه الصفات تركت محبته لدى جميع من يعرفه، إلا أن يد الغدر والضلال أصرت أن تبقى فوق كل الاعتبارات، حين حاولت مجموعة مسلحة اختطاف الطويل بينما هو يشتري بعض حاجياته من «السوبر ماركت»، وعندما تعارك مع المقنعين وحاول الفرار منهم، ألحقوا به عدة رصاصات وأصابوه في رجله، ليتم أسره ونقله إلى جهة غير معلومة.
هذا النبأ أثار حفيظة سكان المنطقة، وعلى الفور خرج المواطنون ومن ضمنهم زملاؤه في جهاز الأمن الوقائي الرسمي، وبعد التحري والبحث، تبين أن المخطوف موجود في قبضة «القوة التنفيذية» التابعة لوزير الداخلية الفلسطيني سعيد صيام، أحد أبرز أقطاب حكومة حماس، ولدى توجه الباحثين إلى المكان المقصود على شاطئ البحر، فوجئوا بوابل من الرصاص ينهمر عليهم، فأصيب أحد أفراد الأمن الوقائي، عندها تخلى الجميع عن إكمال المسيرة، وعادوا ليسعفوا زميلهم في مستشفى ناصر بخانيونس.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، وبينما وصلت سيارة الأمن الوقائي إلى أعتاب المستشفى، وإذا بوابل آخر من الرصاص ينهمر على من فيها، بالإضافة إلى قذيفة «صديقة»، ليقتل في الحادث اثنان من عناصر الأمن الوقائي، ويلحق بالمصاب اثنان آخران، وهم جميعاً على عتبة المستشفى.
القنوات الفضائية «مشكورة» نقلت مشهد السيارة الملطخة بالدماء ملء شاشاتها، وكل ما جاء في عناوين الأخبار العريضة، (اشتباكات بين عناصر من فتح وآخرين من حماس)، وحقيقة الأمر تقول غير ذلك، لأن صاحب الفعل الأول والذي لا يزال يحتجز معتز الطويل معروف لدى القاصي والداني.
ما أرويه ليس نكراناً لما تقوم به بعض الفئات التابعة لحركة فتح من تجاوزات هنا وهناك، حتى لا أبدو منظِّراً لفصيل على حساب آخر ولكن المنطق والعقل لا يقبل المشهد الذي شاهدناه في غزة.