ربما كانت مصادفة، لكنها كانت بليغة المعنى والدلالة. في اليوم نفسه الذي كان فيه الرئيس الأميركي يعلن عن التغييرات في فريقه العراقي؛ كان الرئيس الفرنسي يوجه نقداً حاداً لسياسة الأول «الأحادية» في العراق. هل تعمد الرئيس شيراك هذا التوقيت لتوجيه رسالة مسبقة أخرى إلى نظيره بوش؛ عشية اعتزام هذا الأخير الكشف عن استراتيجيته الجديدة في العراق؟ أم ان الأمر كان مجرد تسجيل موقف للتاريخ قبل انتهاء ولايته ومغادرة الشانزليزيه؟

سواء كان هذا أو ذاك؛ كلام الرئيس شيراك لا يجافي الحقيقة. هو يعكسها، تماماً كما عكستها التشكيلات الدبلوماسية والأمنية التي أجراها الرئيس بوش في إدارته؛ والمتعلقة بالملف العراقي. فهي قد جاءت بمثابة اعتراف بفشل السياسة التي كانت معتمدة، في التعامل مع الملف العراقي. خاصة وان سيد البيت الأبيض على وشك إعلان خطوط سياسة جديدة؛ بدلاً منها.

في كلمته أمام السلك الدبلوماسي الأجنبي في باريس، بمناسبة حلول السنة الجديدة، قال الرئيس الفرنسي إن الحرب على العراق كانت «مغامرة أطلقتها الولايات المتحدة، وتسببت في تسريع التقلبات التي لم تنته انعكاساتها بعد». وأضاف أن سياسة واشنطن «الأحادية» قادت إلى «الطريق المسدود»؛ مشيراً إلى أن بلاده كانت قد «توقعت ذلك وأبدت تخوفها منه».

والمعروف أن باريس كانت قد حذرت من عواقب الحرب ورفضت مجاراة إدارة الرئيس بوش بخصوصها. فلا هي وافقت عليها ولا شاركت بها.هل يسمع الرئيس بوش هذا النقد ـ النصيحة ـ الفرنسي ويأخذ به، في رسم توجهاته الجديدة؟إذا كان من السابق لأوانه التكهن بمدى التغيير الذي ينوي إعلانه في غضون أيام؛ إلا أن المقدمات التي سبقته، تعطي إشارات ترجح أن يقتصر الجديد على لمسات لا تطاول الجوهر؛ بقدر ما تتصل بالإخراج.

يعني أنها تتصل بتسريع وتجميل خروج الرئيس بوش من الورطة؛ أكثر مما تتعلق بخلاص العراق من محنته وإنقاذه من نهاياتها الكارثية. أبرز هذه المؤشرات نقل رجل الأمن والاستخبارات نغروبونتي إلى مطبخ القرار الدبلوماسي في الخارجية كنائب للوزيرة رايس. وهو نقل يوحي بتغليب الطابع الأمني على السياسة الخارجية في الشرق الأوسط؛ وبالتالي على الحلول والمخارج المرتقبة للوضع في العراق. يعزز من هذا الاحتمال، ما يتردد عن أن الرئيس بوش قد رسا تقريباً على زيادة حجم القوات العاملة في العراق.

ولا يقلل من أهمية ذلك أن الزيادة ستكون محدودة ولفترة مؤقتة. إرسال قوات إضافية يؤشر إلى التعويل على الدور العسكري. والساحة العراقية المشتعلة أصلاً، ازداد اشتعالها، على كل المستويات في الأيام الأخيرة، الأمر الذي أضاف تعقيداً على تعقيد وضاعف بالتالي من هشاشة الوضع وشدة انكشافه وسرعة عطب مكوناته الداخلية.

كلام، أو بالأحرى نقد الرئيس شيراك لتعامل إدارة الرئيس بوش مع العراق جاء في أوانه. عل نظيره الأميركي يتأمل فيه جيداً؛ ربما يخفف من إصراره على مواصلة النهج نفسه ولو بطرق مختلفة. وعل الرئيس بوش يتصرف في ضوء التجربة التي أشار الرئيس الفرنسي صراحة إلى نتائجها المفجعة.