تؤشر العملية العسكرية العدوانية التي قامت بها قوات الاحتلال الاسرائيلي لمدينة رام الله قبل يومين الى حقيقة مواقف حكومة ايهود اولمرت التي تبدي ازدراء غير مسبوق لدعوات احياء عملية السلام في المنطقة ولوضع حد للاحتلال الاسرائيلي للاراضي الفلسطينية والعربية والذي يوشك على اكمال عقده الرابع بعد اشهر معدودات.

واذ اتسمت عملية اجتياح وسط مدينة رام الله بالاستعراضية والغطرسة والعنف غير المبرر فانها كشفت في الآن ذاته عن زيف الادعاءات الاسرائيلية بأن حكومة تل ابيب تسعى لتحقيق الأمن والسلام بينها وبين الفلسطينيين الذين يبدون من جهتهم كل الاستعداد لاستئناف المفاوضات وتحقيق سلام عادل وشامل ودائم تدافع عنه الشعوب وينهض على قاعدة الالتزام بقرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية وبما يفضي بالضرورة الى قيام دولة فلسطينية مستقلة تعيش في أمن وسلام متبادلين مع اسرائيل.

اللافت في كل الاجراءات العدوانية التي تقوم بها حكومة اولمرت سواء فيما يتعلق باستمرارها في بناء المستوطنات ومنحها مؤخرا ترخيصا لبناء مستوطنة جديدة في غور الاردن كذلك في عمليات الاجتياح والاغتيالات والكذب في شأن ازالة او التخفيف من حواجز الاذلال والتنكيل «الخمسماية» المقامة على الاراضي الفلسطينية هو عدم قدرة قادتها على استخلاص الدروس والعبر من نتائج اربعة عقود من الاحتلال وفشلها الذريع من تحقيق اي انجاز سياسي طوال تلك المدة الطويلة على رغم ما استخدمه من قوة وبطش وارهاب دولة وجرائم حرب ومجازر ، لم تستطع خلالها كسر ارادة الشعب الفلسطيني او اجباره على التخلي عن حقوقه ..

ولعل اجتياح مدينة رام الله بما هي عاصمة مؤقتة للسلطة الفلسطينية بكل ما رافقه من قتل وتدمير وتخريب واعتداء على الممتلكات الخاصة وعسف قد كشف في جملة ما كشف ان اولمرت كباقي رؤساء حكومات اسرائيل المتعاقبة يفعل عكس ما يقول تماما وان تلك الاقوال التي ادلى بها عند لقائه بالرئيس الفلسطيني محمود عباس قبل اسبوعين انما كانت للاستهلاك الخارجي ولتضليل دول العالم وخصوصا عواصم القرار الدولي التي باتت ترى بعد ان بذل الاردن وجلالة الملك عبدالله الثاني على نحو شخصي ودؤوب ان مفتاح حل بؤر التوتر والحرائق المشتعلة في المنطقة يكمن في ايجاد حل للقضية الفلسطينية وهو الذي اشار اليه يوم امس الرئيسان الاميركي جورج بوش والرئيس الفرنسي جاك شيراك في شكل منفصل ولافت ..

يخطىء قادة اسرائيل اذا ما اعتقدوا ان استراتيجيتهم القائمة على مبدأ اذا لم يخضع العرب بالقوة فان اخضاعهم يكون بمزيد من القوة، قادرة على جلب الامن والاستقرار لهم بدل ان يصدروا قضايا الفساد والاخفاقات العسكرية المدوية في عدوانهم الاخير على لبنان الى الخارج ان يتعظوا مما حدث وأن يدققوا كثيرا في ما آلت اليه قوة ردعهم المتآكلة التي هي نتاج استمرار عقلية الغطرسة والاستكبار العقيمة وآن لهم ان يتواضعوا وهم يرون المصير الذي تؤول اليه الحروب غير المشروعة والدبلوماسية القائمة على القوة ..

ليس من سبيل سوى المفاوضات وتمكين الشعب الفلسطيني من تقرير مصيره واقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني وبغير ذلك فان الفشل والخسائر والهزائم ستلحق بآلة القتل الاسرائيلية لان العنف لا يولد غير العنف والدم بالتأكيد لا يستسقي سوى الدم.