يبقى الإنسان على أي درجة من درجات المسؤولية الوطنية هو الإنسان، ليس ملاكاً أو شيطاناً، له حسناته وله سيئاته، له خطاياه وله مزاياه.. وفي حين عارض البعض الرئيس الراحل صدام حسين في حياته وكان على حق في معارضته نراهم الآن يبكونه بعد مماته بعدما رأوا أن شرور الاحتلال من انقسام وفتن ودمار جعلت العراق بعد صدام أسوأ بكثير مما كان في عهده،

بينما أيده البعض في حياته وكانوا على باطل في تأييده خصوصا في غزوه للكويت أو في حربه ضد إيران لكنهم الآن يلعنونه بعد وفاته لأنهم كانوا يؤيدونه خوفاً أو طمعاً.. ومن المشاهد التي دفعت الكثيرين إلى التعاطف معه وازدراء آسريه، مشهد أسره وهو رئيس الدولة العراقية والقائد العام للجيش العراقي على يد الأميركيين الغزاة لبلاده بالصورة الإنسانية المهينة كان صادما..

ومشاهد مسرحية محاكمته السياسية التي غابت عنها في نظر القانونيين الدوليين المشروعية والمصداقية كانت كاشفة بصورة واضحة عن حكم أميركي مسبق باغتياله سياسيا وبدنيا بغض النظر عن إدانته أو براءته.. ثم جاءت ثالثة الأسافي بمشهد قتله في فجر أول أيام عيد الأضحى المبارك فكان مؤلما ومحزنا وخاليا من الحكمة

رغم وجود أكثر من حكيم بالعراق، ومشحونا بشحنات من الانتقام والتشفي وصيحات طائفية تأباها القيم الإسلامية النبيلة الشيعية والسنية لاستهانة بعض من يمثلون «الدعوة الإسلامية»بالشعائر والمشاعر الإسلامية معا .. ومتى؟، في الأشهر الحرم التي يحرم فيها ليس القتل فقط ولكن القتال أيضا،

ليس مع المسلم فقط ولكن مع المشرك أيضا.. وضد من؟ قائد عسكري أعزل من السلاح بعد أن أسره الغزاة المحتلون للعراق الذين قاموا هم بشن الحرب ضد بلاده بلا مشروعية بالمخالفة لكل القوانين والأعراف الدولية التي لا تجيز محاكمة الأسير أو قتله أو تسليمه لأعدائه ليقتلوه بحكم محكمة صدق على إنشائها ممثل الاحتلال الأميركي «بريمر».

كما بدا واضحا للمراقبين والمتابعين أن الأميركيين والإنجليز وحلفاءهم الذين حاربوه ليطيحوا بحكمه والذين أسروه ثم خالفوا مبادئ حقوق الإنسان فسلموه إلى أعدائه ليقتلوه، لم يقوموا بحربهم ضده بل ضد بلاده، وليس عقابا له على ما فعله من سيئات تجاه جزء من شعبه وإنما عقابا له على ما فعله من واجبات تجاه أعداء وطنه وأمته،

وربما ازداد تعاطفهم معه خصوصاً بعدما اكتشفوا أنهم لم يستهدفوا بعدوانهم القضاء على صدام بقدر استهداف احتلالهم للعراق كل العراق من أجل عيون الأمن الإسرائيلي والهيمنة الأميركية تنفيذا للشرق أوسطية الاستعمارية وليس لنشر الحرية والديمقراطية كما يكذبون.

وزاد الأمر سوءاً بتوظيف حكومة المالكي العراقية المناسبة الدينية الإسلامية الكريمة بطريقة غير إسلامية ولا كريمة مما أثار استنكار واستهجان غالبية الحكومات والشعوب العربية والإسلامية وعدد من الدول الحرة الأوروبية والمنظمات الحقوقية الدولية وتعليقات الصحف الأميركية والأوروبية والعربية والخليجية،

ولفت النظر بقوة ارتفاع الموقف الحكومي الكويتي إلى مستوى بالغ التعقل والمسؤولية ورفض أن يجاري الشامتين والشتامين. واتخذ رد الفعل لدى البعض مستوى يبعث على الاحترام في رفضه للسلوك الحكومي العراقي المستهجن وفي تجاوزه لخصومته التاريخية مع الرئيس الراحل صدام حسين، ووقوفا مع الشعب العراقي المقاوم للاحتلال.

وأجمعت كل الفصائل الفلسطينية على اختلاف توجهاتها والنقابات ومعظم الأحزاب الأردنية على استنكار قتله، واعتباره شهيدا اغتاله المحتلون الأميركيون للعراق مثلما اغتال المحتلون الإسرائيليون زعماء المقاومة ضد الاحتلال أمثال الشهيد الشيخ أحمد ياسين والمناضل ياسر عرفات، وأقيمت الجنازات الرمزية وأقيمت صلوات الغائب، ونصبت سرادقات العزاء الشعبية في غزة وفي عمان وفي صنعاء.

وخرجت الصحافة الأوروبية والأميركية المستقلة تستنكر تصرف الحكومة الأميركية والعراقية ومشككة في عقلانية وصوابية قرار الإعدام ، وأشارت أكثر من صحيفة إلى أن قتل أسير حرب بهذه الظروف يحوله إلى شهيد، ويغسل عنه ما نسب إليه من جرائم، ومحذرة من أن الذين هرولوا إلى ذلك بظن أن موته ينهي صفحته واهمون،

وأن قرار بوش والمالكي أضاع على الغرب فرصة تثبيت الديمقراطية، وفتح الأبواب أمام دوامة من العنف والعنف المضاد، خصوصا مع إجماع سائد بأن العراق في عهد الاحتلال أسوأ بكثير مما كان في عهد صدام وأن الذين قتلوا صدام بما فعلوه بالعراق وبصدام يوم العيد بدوا للكثيرين أكثر سوءا من صدام.

إن المحتلين الأميركيين لم يعدموا صدام حسين فقط بل أعدموا في حربهم العبثية المجنونة في العراق حوالي مليون شهيد عراقي وملايين المصابين واللاجئين والمعتقلين بالإضافة إلى 3000 جندي أميركي عدا عشرات الآلاف من الجنود الأميركيين والبريطانيين المصابين والمنتحرين والهاربين.

وإذا كان البعض ممن تابعوا مشهد إعدام صدام المؤثر بمهابته لم يروا فيه نهاية للنفق المظلم الذي يعيش فيه العراق، ورأوا أن هذا المشهد سيبقى مؤثرا مثلما بقي مشهد شنق عمر المختار بجلاله وشموخه في ذاكرة التاريخ إلى أجيال طويلة..

ويبقى السؤال هو.. إذا كان صدام قد تمت محاكمته وإعدامه على ما نسب إليه من مسؤولية التصديق على حكم محكمة بإعدام 148 مواطناً عراقياً من الدجيل ممن اتهموا ـ خطأ أو صوابا ـ بالتآمر على قتله وخيانة الوطن بالتحالف مع دولة كانت بلاده في حالة حرب معها.. فمن الذي سيحاكم بوش وبلير وعملاءهما الذين تسببوا في قتل نحو مليون مواطن عراقي معظمهم من الأطفال في زمن الحصار وإصابة وتهجير نحو مليونين في زمن الاحتلال؟!

وهل سيكون العراق أكثر أمنا وأكبر أملا بعد تنفيذ حكم الإعدام بهذه الظروف وبهذا التوقيت وبهذه المشاهد المستفزة.. وهل سيهنأ المحتلون للعراق وأتباعهم بدماء الشهداء العراقيين والقتلى الأميركيين في ظل غضب شعبي عربي وإسلامي..

وهل سيصر الرئيس «بوش» على المكابرة برفض تحديد موعد للانسحاب، رغم وقوفه الآن وحيدا وفي ظل العزلة الشعبية والسياسية الضاغطة بعد فشل سياسته وفوز الديمقراطيين ومظاهرات المناهضين للحرب ضد العراق في أوساط الشعب الأميركي، فالجماعات المدنية الأميركية هي الأخرى تحمل النعوش الرمزية وتقيم الجنازات الرمزية وتصلي على أرواح ضحايا حرب بوش من جنود الاحتلال ضد العراق.

إن العراق رغم كل ما جرى سيبقى أعظم من محتليه، والوطن أي وطن سيبقى الأعلى من أي حزب والأغلى من أي فرد.. ولا ننكر على كل ذي مظلمة أن يرى فيما جرى ضد صدام قصاصا أو عزاء له، ولكن القدرة على العفو أو الإحالة إلى الله دون شماتة أو شتائم من خلق الرجال الكبار،

وصدام مثله مثل مئات الآلاف من المواطنين العراقيين قتلهم المحتلون بغير مشروعية للعراق.. لكن الكل في النهاية سوف يقفون يوماً أمام محكمة إلهية عظمى ليأخذ كل مظلوم حقه من ظالمه في ساحة محكمة السماء الكبرى هي أكبر مهابة من كل محاكم الأرض وأعدل حكما من كل محاكم البشر.

كاتب مصري

mamdoh77t@hotmail.com