في آخر يوم من أيام عام 2006، وفي مناسبة عزيزة على قلوب المسلمين، يوم العيد، عيد الأضحى، يوم يحتفل به ملايين المسلمين، سواء أكانوا في الشرق أو في الغرب، عيد الحج. كم هو مؤلم أن يكون هناك تقديم أضحية، إنسان كان كبش فداء للدولة العظمى، التي استخدمت ذلك الطامح في دخول التاريخ،

وهو من سياسيي الاتجاه الواحد، كان يعتقد أن التحالف مع القوى العظمى، هو السبيل إلى النصر، والوصول إلى قمة الهرم السياسي، في بلد يعتبر نموذجا للصراع العرقي والعالمي، بين الشرق والغرب، بين كافة الاتجاهات سواء الرأسمالية أم الاشتراكية، عالم تتشابك فيه المصالح بين القطاع الخاص والقطاع العام.

كان ذلك الإنسان قادما من قاع المجتمع، من جذور اجتماعية غير محددة، يحلم بغد جديد، بعالم يعتقد أن التفاوت الطبقي قد انتهى، في مجتمع ذي جذور اجتماعية، يأخذها بعين الاعتبار، إن المبدأ هو المهم، وإن الأصول الطبقية لم تعد ذات جدوى في مجتمع جديد، ساهمت الظروف في القضاء على تلك الاعتبارات، وكأن الثورة الفرنسية قد أخذت مكانها في بغداد، أو في دمشق أو القاهرة.

ذلك الإنسان كان قادما من العدم الاجتماعي، اعتقد في تلك اللحظة أن التاريخ قد غير الاتجاهات، وأن الحياة الاجتماعية - السياسية قد أهملت الجانب الاقتصادي في تلك اللحظة من انطلاق القطار الأميركي، لم يكن يدرك أن الواقع الحياتي قد يبرز من جديد، حتى بعد أربعة عقود من الحياة.

كانت الكثير من القوى السياسية، تراهن على الخارج، أكثر مما تراهن على الداخل، وكان المطلوب حينذاك القضاء على نموذج ثالث بين الرأسمالية في الغرب، والاشتراكية في الشرق، وكم كان من السهل القضاء على النموذج الشرقي، نتيجة للعوامل الداخلية والذاتية، خاصة فيما يتعلق بعدم نضوج الظروف الداخلية، وبالانقلابات السياسية التي تزيد من حدة التوتر.

في هذه اللحظة تذكرت أنه في ذات يوم حين تم القضاء على واحد من قادة حزب البعث في العراق، قال واحد من أفراد القيادة إن شاء الله أن تكون الضحية في العيد الكبير ذلك الكبير!!! وبالطبع كان يقصد صدام حسين، وكأن ذلك الإنسان يقرأ المستقبل، وظل ذلك التحليل في الصدر.

مهما كانت ردود الفعل إزاء اليوم الأول في عيد الأضحى المبارك، إلا أن توقيت تنفيذ حكم الإعدام، يعني فيما يعنيه، قفل ملفات أخرى تتعلق بتاريخ هذه المنطقة، على مدى نصف قرن من الزمن، زمن الانقلابات والثورات في الوطن العربي، وفي الوقت نفسه،

وبشكل أساسي، مرحلة الحرب الباردة، تلك المرحلة التي حاولت فيها القوتان العظميان، الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأميركية، أن تستقطب الدول المسماة بدول العالم الثالث، من دول الشرق الأوسط، والدول الأفريقية خاصة، وبتحديد أدق دول النفط، سواء العراق أم إيران، أم غيرهما من دول النفط في المنطقة. وحتى الدول في أميركا اللاتينية لم تسلم من تلك الحرب.

ونتج عن ذلك الاصطفاف الأيديولوجي ضحية واحدة، هي ذلك الإنسان البسيط الحالم بحياة آمنة ومستقرة، تتوفر لها أساسيات الحياة الكريمة، إلا أن ذلك لم يحدث، بل على العكس من ذلك فإن السلطة والقوة، لعبتا دورا في بروز قوى جديدة، تعتمد على قمع واضطهاد كل من لايسير على الخط نفسه، سواء في أفغانستان أم العراق، أم في أية دولة من دول العالم الثالث،

ونتج عن ذلك ازدياد الهجرة من الأوطان إلى المنفى، هذا المنفى المتمثل في الدول التي تحترم حقوق الإنسان، ملايين هاجرت إلى الغرب، وقد تنوعت انتماءات المهاجرين فمنهم الإسلاميون ومنهم القوميون والشيوعيون، إلا أن الذي يجمعهم هو البحث عن الأمن والاستقرار والعدالة، على الرغم من اختلاف بعضهم مع أيديولوجيات الأوطان الجديدة التي هاجروا إليها.

إن الإنسان، ذلك الضحية، هو الذي يدفع الثمن دائما، وبشكل أساسي الأطفال والنساء، والمرأة هي المثال الواضح لمرحلة الانحطاط، فمن خلال متابعة أقدم مهنة في التاريخ، تبرز المأساة الإنسانية حين يكون الجسد مصدرا للعيش.

لذا لم يكن من المستغرب أن تعمل معاول الهدم لتقويض أي مشروع يهدف إلى خلق نموذج للتنمية في العراق، ذلك البلد الذي يمتلك كل مقومات النهوض: النفط،والأرض، والإنسان، ثالوث التنمية الشاملة. كان الهدف الرئيس وضع العصا أمام عجلة التقدم، كانت مبادئ السلطة والقوة هي الأداة المهمة لتنفيذ ذلك سواء أكان ذلك بشكل مباشر أم غير مباشر.

لذا فقد كان لتلك المرحلة فرسان وقيادات، رفعها الإعلام المهيمن عاليا، إلا أن ذلك قد انتهى بدءا بهدم جدار برلين، ونعي المشروع الاشتراكي في الاتحاد السوفييتي، وبروز فجر العالم الجديد. إذن فقد بدأت مرحلة جديدة، تستلزم طي الملفات القديمة، وتحول المناضلين إلى إرهابيين، والتابعين إلى قيادات، في ظل عدم الاستقرار وعدم التوازن السياسي.

من الواضح أن بعض القادة في دول العالم الثالث لم يدركوا هذا التحول، بل على العكس من ذلك، فقد ظل البعض، ومنهم صدام حسين، يفكر بعقلية الحرب الباردة !! لم يدرك أن جمهورية الخوف قد خلقت النقيض لها بشكل واضح، حتى في الصف الواحد. كان من الواضح أن ذلك الطاغية قد فقد البوصلة،

وفي الوقت ذاته بدأ ينتقم من مجتمع هو ضحية سلطته وقوته. كان كالذي فقد الإحساس، إلا الإحساس بتعذيب الآخرين، وازدادت الذات لديه تضخما، ولعبت الأجهزة الأمنية دورا مهما في تعزيز الشخصية الديكتاتورية لديه، كما لعبت النخب الفاسدة إضافة إلى مجموعة من العوامل الذاتية الشخصية دورا في ترسيخ جمهورية الرعب والموت والدمار، وكانت بداية النهاية في غزو الكويت واحتلالها،ولم يتعلم الدرس على مدى عقد من الزمن، أو يزيد.

كانت البدايات الأولى لمرض السرطان لدى النظام البعثي في العراق، وكان المصاب الأول هو صدام حسين، حاول المخلصون من أبناء الوطن العربي والإسلامي إنقاذه من ذلك المرض الذي لا يرحم أحدا، إلا أن صدام كان يرفض ذلك، وكانت تلك مؤشرات الموت الحتمي، لقد رفض مقترحات حكيم العرب.

إذا كانت حركات الإسلام السياسية، وهي من نتاج مرحلة الحرب الباردة بين الرأسمالية والاشتراكية، قد انتهى دورها بسقوط وانهيار الاتحاد السوفييتي، فإن الدورة الجديدة كانت تتجه للقوى الأخرى، التي استخدمت في تلك الفترة، ولم تدرك القيادات العراقية ذلك التحول،

وظلت تتصرف بآليات ما قبل المرحلة الجديدة للعولمة، لذا فقد كان إعدام صدام حسين كرمز من رموز الصديق الذي تحول إلى عدو في المرحلة الجديدة، ولكن السؤال الأهم الذي يجب أن يطرح هنا: ماذا بعد إعدام صدام حسين ؟

قد يحزن البعض أو يغضب،وقد يفرح، إلا أن العراق الوطن هو الأهم وإن الانخراط في الحرب الأهلية، سوف يأكل الأخضر واليابس، وحينذاك ستحترق كل العمامات، والاتجاهات، وسيبرز منجل الموت الذي سيحصد الجميع، ألا يدرك أبناء العراق أن الوطن أمانة، وأن بداية خيانته تتمثل في العودة إلى الطائفية السياسية ؟

وأن صدام لم يكن المعني بما حدث، بل كان ما حدث أكبر بكثير من ذلك، كان العراق هو المستهدف، بأمنه واستقراره وتعايشه، بحضارته الممتدة عبر آلاف السنين، هذه الحضارة التي قامت على التعددية والتنوع، حيث عاشت في العراق ولقرون طويلة طوائف

وأعراق وأثنيات متعددة يجمعها العراق ويوحدها. الذين يقرؤون التاريخ جيدا يعرفون أن العراق لن يستقر ولن يتحرر إلا إذا نفض عنه غبار الطائفية البغيضة وسيفها المرفوع فوق رؤوس العراقيين كافة، وهو بالتأكيد أقوى وأقسى وأخطر من سيف الاحتلال.

رئيس وحدة الدراسات ـ «البيان»

malmutawa@albayan.ae