الاقتراح المطروح حالياً على طاولة النقاش في الولايات المتحدة، والخاص بزيادة عدد القوات الأميركية في العراق إلى 40 ألف جندي إضافي كجزء من الاستراتيجية الجديدة التي يتم تدارسها من قبل البيت الأبيض والقادة العسكريين في بغداد، لا ينحصر في مجرد زيادة عادية في القوة البشرية، بل قد تكون بداية لفرض أجندة خارجية تمهد لاحتلال ابدي.

ويقول بعض مؤيدي الخطة الجديدة إنه من شأن تعزيز عدد الجنود في بغداد أن يساعد على تطهير أحيائها المضطربة من الميليشيات، وتوفير الحماية للأهالي عبر البقاء في الأحياء. ويمكن لوحدات الجيش أن تحمي الأهالي من فرق الموت.

لكن منتقدي الخطة ينبهون من جانبهم إلى أن عمليات «التطهير والبقاء» التي تعتزم القوات العسكرية تنفيذها في أحياء بغداد قد تستدعي عدداً أكبر مما هو متوفر حالياً من القوات. وبصرف النظر عن حجم القوة الأميركية، يعتمد نجاح الخطة على التقدم المحرز لتحقيق المصالحة بين الطوائف المتحاربة وإشراك العراقيين في وضع مستقبل بلدهم.

وغني عن القول إن جميع تلك الخيارات لا ترقى إلى مستوى الحلول الشافية التي تخرج أميركا من العراق، بل قد تزيد من مفاقمة الوضع الأمني المتدهور أصلاً. وحتى ما إذا أرادت الولايات المتحدة المضي قدماً في أحد تلك الخيارات فإنها تفتقر إلى القوة اللازمة لتطبيقه على نحو فعال يسهم في تغيير مسار الحرب في العراق.

بيد أنه لم يعد ممكناً تجنب الحقائق أكثر من ذلك. يجب علينا أن نعترف بأن منع الحرب الطائفية الدموية في العراق هو أمر يفوق طاقة أميركا، وربما بسبب هذا الشعور بالإخفاق وانسداد الأفق السياسي أمام الولايات المتحدة عكست التقارير الصحفية الواردة من واشنطن مزاجاً يطبعه الإحباط وخيبة الأمل،

فضلاً عن ميل، بدا واضحاً لدى بعض الأوساط، إلى رفع أيديهم عن المسألة العراقية، لكن الرئيس الأميركي لا يزال مصرا على تحقيق الانتصار في العراق، وهو ما يجعل الأنظار كلها مشدودة لاستراتيجيته التي سيعلنها الأربعاء المقبل، وهل حقا سينجح في كبح العنف الدموي في العراق أم يزيد الأمر سوءاً.

من خلال ما يعرض في وسائل الإعلام المختلفة من وجهات نظر، وما ينشر من تقرير «مجموعة دراسة العراق» برئاسة وزير الخارجية الأسبق بيكر تم إحياء الأمل بإمكانية الأخذ بطريق جديد في العراق، ولكن ليس هناك حتى الآن إشارات تكفي لبعث الأمل على حدوث مثل هذا التغيير الذي بإمكانه فعلاً جلب الأمن والسلم للعراقيين.

إننا نتصور ان الأزمة العراقية لا تحل بأجندة خارجية وان الحل الطبيعي والمنطقي هو داخل العراق وبين أطراف الصراع العراقي أنفسهم سواء كانوا مسلحين أم غير مسلحين. ومن يعتمد على الحلول الخارجية فإنه يبحث عن الانقلابات الدراماتيكية في المواقف الدولية والأحداث المحلية.

إن الحل العراقي يجب أن يكتسب أهميته من اعتراف الجميع داخل السلطة وخارجها بمشاركة الجميع في السلطة ومساهمة الجميع في صياغة برنامج العمل المشترك على أساس القواعد الوطنية ومواجهة الإرهاب، وكل أشكال التسلح اللا قانوني وتفكيك الميليشيات المعلنة والخفية وتحقيق المصالحة الحقيقية بين كل العراقيين بما يكفل مواجهة الاحتلال والرهان الأميركي في البقاء الأبدي في العراق.

إن طريق التعامل مع إدارة الأزمات الكبرى مثل الأزمة العراقية تستوجب وضوحا في المواقف ووضوحا في تحديد الأولويات وشفافية في تأشير برنامج الحوار في إطار المصالحة الوطنية، فلا حضور لكل هذه المسميات بدون سيادة العراق وأمن وحرية أبنائه

والالتفاف حول راية الوحدة الوطنية لإنقاذ العراق أرضاً وشعباً، بدلاً من الوقوف موقف المتفرج أمام استمرار سقوط الضحايا نتيجة العنف الهمجي وترك المبادرة في أيدي الأميركيين في تحديد مستقبله.