سواء صدق المدونون المصريون أو كذبوا فيما نقلوا عن تحرش جنسي كبير بالسيدات في قلب القاهرة فإن تغيرات ضخمة طرأت على «الظاهرة الجنسية» في المجتمعات العربية وهي تغيرات لا تخطئها العين ولا يستطيع أن يتجاهلها منصف وهي في جانب واحد منها مشكلة مصرية لكنها في الحقيقة جزء من سياق عالمي شديد الأهمية
وبالتالي فإن صحة الواقعة لا تعني أن شيئا يسيء إلى مصر يستحق الانفعال نفيا وتفنيدا بل تعني أن ماردا خرج من القمقم يحتاج التعامل معه بحكمة ربما لأن عودته إلى القمقم تبدو مستحيلة، ومن كان لديه شك في أن المارد خرج من القمقم فليرجع للإحصاءات «الرسمية» المخيفة في مصر
مثلا عن التحرش الجنسي والتصاعد الملفت في الارتباط بين الجنس والجريمة وليحاول إحصاء البرامج التلفزيونية والكتب والندوات والتحقيقات والمقالات التي تتحدث عن مخاطر غياب الثقافة الجنسية بسبب المزاج الاجتماعي المتحفظ الذي لا يفرق بين أن «نعرف» وبين أن «نفعل»!
العالم ليس عدواً
وقد يكون من قبيل التنكر والقسوة إهدار القيمة الإنسانية النبيلة لسعي جيل الآباء في المجتمعات العربية لحماية عفة الفتاة العربية لكن هذه الثقافة كلها تأسست على فكرة أن المجتمعات العربية قادرة على أن تمنع ما لا تحب من أفكار وصور وأنماط اجتماعية وأن كل أسرة قادرة ـ بالمعنى الحرفي ـ على أن تتحكم في الفضاء الذي يتحرك فيه أبناؤها.
وثقافة الحماية هذه في الحقيقة ضربتها رياح تغيرات لم تكن السياسة محركها الأول وإن خضعت بالطبع لعمليات استغلال سياسي، فالهاتف المحمول والانترنت وحدهما كان لهما أثر تاريخي في خلق «عالم خاص» غير قابل لإخضاعه للرقابة التامة فكلاهما وفر لجيل الأبناء فرصة أن تكون له خصوصياته وأن يتصل بأشخاص بعيدين بل يكونون بعيدين جدا وهنا أصبح «المجتمع» مجرد مصطلح افتراضي!
وبطبيعة الحال لا حاجة هنا لتأكيد أن وسائل التقنية تظل محايدة وتظل القيم التي تحكم استخدامها هي معيار الموقف منها وبالتالي لا التفسير التآمري ولا منطق «المنع» قادران على صد الطوفان وهناك لأول مرة حاجة ماسة للإقرار بضرورة إعادة بناء ثقافتنا التربوية على قاعدة «الامتناع»
وهو سلوك الإنسان الحر الذي يملك حرية الاختيار ويملك إعمالها دون قسر لأن القسر ببساطة أصبح وهما في عقل جيل تجاوزته إنجازات التقنية لكنه قادر عبر إعادة النظر في الوسائل أن يبني سدا أكثر مناعة من القيود، فالعالم الذي انفتح علينا أو اقتحمنا ليس عدوا وفيه من الخير ما يجعله يستحق أن نبذل جهدا حقيقيا للتفاعل معه.
الرذيلة الافتراضية
ومن بين التغيرات الجذرية التي انطوت عليها ثورة الاتصالات الحديثة إرساؤها بنية جديدة للمفاهيم الاجتماعية والإنسانية وفي مقدمتها العلاقة بين الجنسين فقد أصبح هناك رذيلة «افتراضية» صور، أفلام، خطوط للدردشة الجنسية، وكاميرات تنقل صورة المتحدثين.. ..
وهكذا أصبحت فكرة اللقاء بين شريكين في علاقة خاصة فكرة مختلفة تماما عما نعرف وبالتدريج اتسعت الدائرة ثم تحولت الفضاءات الافتراضية إلى حقول ألغام وصولا إلى «الجنس الالكتروني» ولمن أراد أن يتخيل المشهد إذا لم يبلور المجتمع العربي موقفا تربويا أخلاقيا عقلانيا يتجاوز الانزعاج والإدانة أن يتأمل هذه الحقائق عن هذه الظاهرة.
فهناك ملايين النساء والرجال سنويا يمارسون الجنس على شبكة الانترنت سواء كتابة أو كلاما مباشرة مما يحقق لهم النشوة الجنسية الخيالية العارمة. وقد خاضت كاتبة أميركية التجربة قبل أن تكتب عنها كتابا أحدث ضجة كبيرة
وهي تقول إن المرأة يمكنها أن تمارس الجنس من أول لقاء وقد تشعر بالخجل أو الذنب ولكنها سوف تعتاد لاحقا وتتخلص من الشعور بالذنب وتقول إن هناك ملايين النساء تحقق الإشباع الجنسي المفقود على الشبكة بالثرثرة المتحررة.
وإذا كان الجمود في مواجهة عالم يتغير يفتقر للحكمة فإن الاحتكام إلى «ثقافة الإنكار» يفتقر للأمانة وليرجع من شاء لصرخات التحذير الكثيرة جدا التي يطلقها دعاتنا وفقهاؤنا خلال السنوات القليلة الماضية من المخاطر والمخازي التي تنطوي عليها غرف الدردشة الالكترونية على الانترنت وعمليات الاستخدام غير الأخلاقي للهواتف المحمولة وكاميراتها!
من العام للخاص
والتقييم الموضوعي للاتجاه السائد لوجود مجتمع كوني تتجاوز ما نتمناه لأن التقارب والتفاعل لا ينتظر موافقة أحد وتمده التقنية باستمرار بوسائل تسبق خطوة الرقابة وآليات المنع وتجعلها أحيانا أقرب إلى النكتة المضحكة، ويقينا لا يوجد عاقل يسعده تفكيك بنية المجتمعات العربية لحساب سيولة كونية يختلط فيها الحابل بالنابل.
ورغم أن قضية الانفلات الجنسي تشغل الكثير من المجتمعات في العالم فإنها في العالم العربي تدق جرس إنذار لكون الدين كان دائما المكون الأكثر تأثيرا في السلوك الاجتماعي وبخاصة العلاقة بين الجنسين وبالتالي فإن الإقرار بالتشابه لا يعني تصور التماثل في القيم الحاكمة فالغرب يعاني المشكلة وشرق آسيا أيضا يعانيها على نحو مختلف،
ففي الغرب هناك موقف اجتماعي ثقافي أميل إلى لتسامح مع الإباحية وهناك في شرق آسيا عمليات تحول اجتماعي ضخمة ترتبط في المقام الأول بالتحول الضخم نحو الاقتصاد الصناعي وما بعد الصناعي بما يصاحبه من ضغوط كبيرة على المجتمع والأسرة، وفي بعض دوله ترتبط الظاهرة بالقطاع السياحي.
ولكن المشكلة عندنا هي في سياق مختلف تماما فلا ثقافتنا إباحية ولا نحن في حالة تحول اقتصادي ضخم بل تعاني مجتمعاتنا بطالة مرعبة وفقرا لا نظير له في العالم والبنية الاقتصادية لدولنا ـ في معظمها ـ لم تشهد تطورا يذكر منذ نصف قرن، وثقافتنا هي ثقافتنا، فما الذي يحدث؟
الذي حدث أن العلاقات الطبيعية بين الجنسين في المجتمعات العربية تواجه ضغوطا كبيرة فهناك ظواهر اجتماعية واقتصادية جديدة جعلت الزواج بالنسبة لشرائح واسعة أملا بعيد المنال بسبب كلفته وبالتالي أصبح هناك مصطلحات جديدة على واقعنا العربي فالعنوسة مشكلة في مجتمعات الندرة والوفرة على السواء والسكن أزمة مستحكمة في دول عديدة،
وفي هذا المناخ تجتاح الكثير من وسائل الإعلام العربية موجة استخدام مبالغ فيها للجنس عبر كليبات وأفلام بل أعمال إبداعية متنوعة مقروءة ـ بعضها أثار نشره ضجة كبيرة ـ وعندما تكون هناك حالة من الاحتقان الاجتماعي ورغبة لا توازيها قدرة فمن الطبيعي أن تحدث انفجارات صغيرة هنا وهناك،
ولعل من المفيد هنا أن نذكر أن محرك البحث الأكبر على شبكة الانترنت «جوجل» تشير إحصاءاته إلى أن أكثر المستخدمين في العالم بحثا باستخدام كلمة «جنس» هم مستخدمو الباكستان ومصر!.
كاتب مصري