هناك علائق واشجة بين التنشئة العائلية والأسرية المفعمة بالروح الأبوية. والأمثال والآداب والطاعة وبين «التعليم» الممزوج باستبداد الثقافة. وتسيد العلم وعبودية المريد، وقد اهتم فقهاء العصور الوسطى بالتأليف والتنظير لأهمية وقدسية المربي واستسلام واستلاب إرادة الطالب «من علمني حرفا صرت له عبدا مملوكا».
فقد كتبت عشرات المؤلفات الممجدة لعظمة العلماء ورثه الأنبياء. وإلزام العوام بعدم الاقتراب «مجرد الاقتراب» من بعض كتب المعرفة خصوصا العقائد. فقد كتب الإمام محمد الغزالي كتاب «الجام العوام عن علم الكلام». وكتب بن زياد الوضاحي من علماء زبيد طلبة الطلبة في القرن الثاني عشر الهجري وكتب الإمام الحسين بن الإمام القاسم بن محمد كتابه «آداب العلماء والمتعلمين»
وقبل ذلك «شيخ الإسلام» محمد بن علي الشوكاني أدب الطلب وان اقترب من السيرة للمؤلف إلا انه أيضا يتناول جوانب معينة فيما يجب على الطالب. وفيه الكثير من التحذير من تعليم السوقة وأهل الحرف «الوضيعة» بما في ذلك الباعة وبعض الزراع والفعلة.
وقد درس الناقد والباحث فيصل دراح ثقافة الاستبداد متناولا كتاب «آداب العلماء والمتعلمين» للحسين بن القاسم بن محمد رابطا بين استبداد الثقافة وثقافة الاستبداد.في الحديث عن الإبداع والاستبداد يجري الحديث عادة عن سلطة مستبدة تحدد أقاليم المسموح والممنوع، فتكون السلطة تجسيدا لموقف يقاتل موقفا مختلفا،
ويستعمل في قتاله وسائل عدة، بدءا بمقص الرقيب وصولا إلى المقصلة. تنفي الدولة في هذه الممارسة مبدأ تساوي الحقوق بين المواطنين. وتلغي مبدأ وحدة المجتمع. تضع مواطنا فوق آخر، وتضع مواطنا في مواجهة آخر وهي في هذه الممارسة تعبث بالمواطنين معا، لأن السلطة المستبدة تقرر ما يجب ان يقال وما يجب ان يفرض عليه الصمت والموات.
ان الحديث عن سلطة مستبدة تقمع الثقافة لا يمنع الحديث عن ثقافة مستبدة تسعف السلطة. فوظيفة المثقف تجدد بعلاقته بجهاز الدولة أولا، حيث يمارس في هذا الجهاز دورا إداريا ـ معرفيا ـ يقوم بدور في إدارة وتوجيه أجهزة الدولة. ويقوم بإنتاج معرفي داخل أجهزة الدولة وبفضلها.
ويكون المثقف في الحالين جزءا من السلطة. مع ذلك فان انتماء المثقف إلى السلطة يعود إلى الطبيعة الداخلية للعمل الثقافي الذي يمنح المثقف مرتبة اجتماعية تضعه فوق من لا يعرف. تقيم المرتبة علاقة عضوية بين المثقف والسلطة. لأن المرتبة كما التراتبية بشكل عام تمثل جوهر السلطة وقوامها.
يلتقي المثقف بالسلطة في علاقة مزدوجة، علاقة خارجية تتجلى في الإدارة وإنتاج المعرفة، وعلاقة داخلية تتمثل بالمرتبة، وإعادة إنتاج المرتبة. تقمع السلطة الرعية باسم القانون. ويقمع المثقف العوام باسم المعرفة، مع فرق أساسي يلغي التناظر الوهمي بينهما، فالمثقف لا يقمع العوام إلا اعتمادا على قوانين سلطوية تعرف النخبة وتحدد معنى العوام.
ويشير ان تعابير العلم: المعرفة، العلوم الآداب محاطة بالتعظيم، ومسيجة بالتبجيل، غير ان الإكبار في شكليه يتلاشى في قراءة مزدوجة: قراءة ثانية تحاور فلسفة المثقف وتعاليم مهنته. فالعلاقة بين المثقف والسلطة في معظم الأحيان ان لم يكن دائما، هي علاقة بين طرفين متجانسين.
المثقف: من الوظيفة إلى السلطة يقرأ المثل السائر «من علمني حرفا كنت له عبدا». يؤكد القول تقديس المعرفة وحاملها ويبرز شكلا فاصلا من العبودية التي هي جوهر فضيلة تكون نفيا للعبودية ونقيضا لها، ينحدر القول من زمن قديم حاملا هالة ومحاطا بعبق.
يحمل العارف من الصفات ما يميزه عمن يحتاج إلى معرفته، واختلاف الصفات يستحضر العبودية ويبررها. تساوي سطوة البداهة بين المعرفة والعارف، فيغيب التاريخ و يصبح التجريد اللا محدود سيد المكان. في مجتمع زراعي يحتل الكاتب مكانه اجتماعيه مرموقة
ولا توجد وظيفة أكثر نبلا من وظيفة الكاتب انه الكائن الذي يقود والكائن المتحرر من السخرة اليدوية وان كانت نظره عالم الدين للامر مختلفة فبمقدار الاقتراب من السلطان بمقدار المذلة والمهانة. ويستشهد بقول افلاطون يظل العمل العضلي غريبا عن كل قيمة انسانية
بل يبدو بمعنى ما نقيضا لما هو جوهري في الإنسان. ويدل على مدى اهتمام واحتفاء القبيلة بشاعرها. ومكانه الشاعر في القبيلة. فهو يضع سحره اللغوي في خدمه القبيلة ويشير إلى ما ذكره حسن حنفي في كتابه من العقيدة إلى الثورة من سلوك بعض العلماء الذين يرون «ان الثناء على الله ثناء على السلطان وان الثناء على السلطان نابع من الثناء على الله».