أحد النقاشات في الفضائيات حول الشرق الأوسط والصراعات الدائرة فيه، ولاسيما في فلسطين المحتلة وما حولها، يُعتقد لو أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس«أبو مازن» قرأ جيداً قصة لتولستوي أيام دراسته في موسكو »الحاج مراد«، لما كانت فتح وحماس انزلقتا إلى الصراع الدموي الأخوي.

وكان بذلك قد وفر على نفسه وعلى الشعب الفلسطيني المزيد من الخسائر البشرية، والمادية والمعنوية والسياسية على الساحة الفلسطينية، بين الحركتين. الجميع يدرك من اللحظة الأولى، اندلاع الصراع السياسي الداخلي، وأن الفلسطينيين منزلقون إلى مستنقع كبير، وصراع لسنوات طويلة فيما بينهم.

في القصة المذكورة « الحاج مراد» للأديب الروسي لتولستوي ، يصوّر حياة الناس، وطبائعهم وسلوكهم وعاداتهم، وتمسكهم بالقيم التي تربوا عليها وعلاقتهم بالجبال والأرض. وتأثير الطبيعة على سلوكهم وأنماط حياتهم، التي اتسمت بالقوة والعناد والصبر والجلد.

الحديث لا يدور حول «الحاج مراد» وفلسطين، ولكن ألا يخطر بالبال السؤال التالي لو أن : الرئيس الفلسطيني وبعض من معه من عرَابي أوسلو، قرأوا ألف ليلة وليلة بشكل جيد، هل كانوا سيتفاخرون بتلك الاتفاقيات؟ سؤال يبدو بسيطاً وساذجاً،

ولا علاقة له بالسياسة، أو بموازين القوى والمخططات. ولكن ألا تكشف قصص »ألف ليلة وليلة« عن لعبة الزمن، وكيف تتعامل شعوب هذه المنطقة معها؟ الوقت يمضي بسرعة هائلة ويبدو للجميع ـ حتى الآن،ـ أن حصاد الحقل لا يطابق حصاد البيدر.

إن سياسة السلطة الفلسطينية تشكل كارثة ومأساة. الحرب غير المعلنة بين فتح وحماس، لم تكن مجرد كارثة فحسب، بل أضحت فضيحة كبرى نالت وطالت المبررات وشعاراتها والقيم الليبرالية والديمقراطية والأخلاقية التي تغنت بها السلطة،

ولكن السؤال : هل الأمر يتعلق بخطأ استراتيجي ناتج عن خلل في الحسابات والدراسات والمعطيات، وهذا أمر مسموح به في أي عمل، ويمكن الاعتذار عنه. وفي هذه الحالة يجب قبول الاعتذار!، أم أن الأمور تتعلق بنهج ومخططات واستراتيجيات مدروسة ومعتمدة، ويراد لها أن تصبح الحقيقة الأساسية في الحياة الفلسطينية.

موضوع الاختطافات الجارية، وحرب العصابات، التي تذكرنا بأيام بيروت، مبررات أساسية للحرب الأهلية الداخلية. زد على ذلك تفعيل إدارة الولايات المتحدة لكل الأجهزة والإمكانيات التي بحوزتها مع إسرائيل، على إقناع العالم بان حركات المقاومة الفلسطينية، إرهابية. وفي الوقت الذي كانت فيه وسائل الإعلام تعمل على تكريس هذه القناعة لدى الرأي العام العالمي.

ما تشهده الساحة الفلسطينية ليس خطأً في الحسابات والتقديرات لدى الساسة الفلسطينيين يمكن الاعتذار عنه.. إنه سياسة مبرمجة وإستراتيجية مدروسة. والاعتذار عنها يزيدها قبحاً. ما يسعى إليه أبومازن بشأن إعطاء فرصة لتشكيل حكومة وحدة وطنية، ودعوة المنظمات للعب دور أكبر، لا يهدف إلى التخلي عن دور حركة فتح. وإنما يهدف إلى استغلال المكانة للالتفاف على الواقع المستجد في فلسطين.

هل حقاً الحصار على الشعب الفلسطيني سببه المقاومة؟! أم أنه مبرمج، ومجهز لتفكيك من يرفض التطبيع ؟ لماذا الابتعاد عن لب المشكلة، والاكتفاء بالقول بأن الصراع بين فتح وحماس. بينما الصراع الحقيقي هو بين استمرار نهج أثبت عقمه وفشله في الوصول إلى حل شامل وعادل، وبين قلب الموازين لصالح القضية بشكل عام، والوضع الفلسطيني بشكل خاص.

على مدى 12 عاماً، لم يُسمع صوت أو تحرك جماعي فعال سواء كان من غزة أو الضفة يطالب بوقف الفساد المالي، بل تم تنصيب أبو مازن كرئيس لسلطة محلية لا تحكم على أحد، ثم أصبح رئيس لكل الفلسطينيين! فهل يسأل من انتخبه، من فلسطينيي الشتات، إن فلسطينيي الشتات كساكني أجواء تختلف عن الواقع الفلسطيني الداخلي، و

هذا ما يصرح به بعض أشاوس السلطة وزرعوه بين الشعب الواحد، علماً أن أكثر الجوقة الحاكمة أتت من المنفى، ولكن بفارق واحد، فقد جاءوا على ظهر اتفاقيات تقبل بالعدو على أنه جار له الحق في امتلاك أكثر من ثلاثة أرباع أرض فلسطين، بما فيها القدس الشرقية، ويتم التصريح في بعض الأحيان عن مطالب حق العودة وبيت المقدس. فهل تلك الاتفاقيات المبرمة صادقة، والمسجد الأقصى يبنى تحته «الهيكل الجديد؟

من المهم جدا أن يقرأ ـمن في السلطة، قبل الروس قصة الحاج مراد. وأن يبدأوا بترجمة ألف ليلة وليلة إلى الروسية، و يفرِغوا من الأسواق كل ترجمات ألف ليلة وليلة بالانجليزية، كيلا يقرأها أحد من المسؤولين الفلسطينيين في السلطة الفلسطينية. إلى أن تضع شهريار نقطة في آخر السطر. ويطلع الصباح.