«لا أعرف فيما إذا كنت قائداً جيداً، لكن ما أعرفه أنني الآن في مركز قيادي، وعندي رؤية واضحة للمستقبل... لقد اكتسبت هذه الرؤية من والدي المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم الذي يعتبر بحق في مقام الوالد لدبي. لقد أطلق المشاريع، ووقف عليها شخصيا. كان يعرف عنه أنه يستيقظ باكرا، قاصدا مواقع المشاريع ليشرف عليها شخصيا. وأنا أسير على خطاه، أبقى على اطلاع على كل شيء، أذهب للمواقع وأراقب، أقرأ الوجوه، أتخذ القرارات المناسبة، أنطلق بخطى سريعة لتطبيق هذه القرارات بحماس وعزيمة عاليين».

بهذه الكلمات استهل صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولايته للعهد في إمارة دبي في الرابع من يناير عام 1995 عندما أصدر المغفور له صاحب السمو الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم - طيب الله ثراه - قرار تعيين سموه وليا لعهد الإمارة بعد سنوات من العمل الدؤوب، أثبت سموه خلالها أنه ذلك القائد ذو الرؤية الواضحة والمنهج العلمي السليم في التخطيط والتنفيذ، وأنه يمتلك نظرة ثاقبة بعيدة، تتجاوز الماضي وتتخطى الحاضر لتصل إلى أقصى نقطة في المستقبل. نظرة تتعدى الأفق إلى ما وراءه بمساحة شاسعة، فهو لا ينظر إلى النقطة التي تختفي الشمس خلفها، ولكنه يتطلع إلى النقطة التي ستشرق منها كي يكون أول من يستقبلها وآخر من يودعها، تاركا خلفه أولئك الذين يغطون في نوم عميق، سابقا الزمن والأحداث وإيقاع الحياة الأسرع في هذا الكون الفسيح.

وفي الرابع من يناير عام 2006 تولى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم الحكم في إمارة دبي بعد رحيل المغفور له الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم طيب الله ثراه وأحسن مثواه، لينتخب أعضاء المجلس الأعلى حكام الإمارات في الخامس من يناير 2006 سموه نائباً لرئيس الدولة، ويوافقوا على اقتراح صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة بتكليف سموه رئيسا لمجلس الوزراء وتشكيل الحكومة الجديدة.

منذ ذلك اليوم وسموه يقود بكل الثقة والكفاءة والاقتدار والرؤية الثاقبة التي عرفت عن سموه مسيرة العمل الميداني والبناء في دولة الإمارات التي تنهض كل يوم لتستقبل الشمس بحلة جديدة غير تلك التي ودعتها بها. هكذا أراد لها قادتها الأوائل ومؤسسوها الذين وضعوا لبناتها الأولى، وعلى رأسهم المغفور لهما الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم طيب الله ثراهما، ثم من أتى بعدهما ليكمل المسيرة، محافظا على المنجزات التي تحققت ومضيفا إليها.

وعلى الطريق نفسه يسير اليوم قائدها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة ونائبه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم الذي يرى أن إحدى خصائص القيادة وصفاتها في الوقت نفسه: التطلع إلى الأمام واستشعار الاتجاهات المستقبلية في رؤية يجب أن تكون أبعد من رؤية أي شخص حول القائد، وتوقع مجرى الأحداث وإعداد الناس لها لأننا ـ كما يقول سموه ـ لا نستطيع أن نجلس ونكتف أيدينا ونقول: لا نعرف ماذا سيحمل لنا المستقبل. فنحن إذا تركنا الأحداث تصنع لنا مستقبلنا فإنها ستعطينا المستقبل الذي تريده وليس المستقبل الذي نريده نحن. وإذا تركنا الآخرين يصنعون لنا مستقبلنا فإنهم سيعطوننا المستقبل الذي يناسبهم وليس المستقبل الذي يناسبنا. وإذا لم نختر المستقبل فإننا نختار الماضي. ماضينا كان عظيما، وهو في قلوبنا وتكويننا، لكن الماضي له أهله، ولا نستطيع أن نعيش فيه ولا مكان لنا فيه.

وفق هذه الرؤية مضى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم يعمل متخذا من الحاضر نقطة انطلاق، ومن المستقبل هدفا، مع تحرير أنفسنا من البقاء في الماضي الذي سيبقى حيًّا في ضميرنا. وعندما نقف اليوم على مسيرة سنة من الإنجاز الذي حققه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم وهو على رأس الحكومة الاتحادية نجد أنفسنا حائرين بين الانبهار بما تحقق، وبين ملاحقة رؤية سموه التي لا تتوقف لحظة عن التفكير في المستقبل، متجاوزا لحظة الانبهار بما أنجز، فوحدهم محدودو الطموح والتفكير هم الذين يقفون مبهورين بما أنجزوا عاجزين عن الإضافة، أما المبدعون الحقيقيون الذين لا حدود لطموحهم فإنهم يحافظون على قوة اندفاعهم ليحققوا المزيد، بل إنهم يضاعفون قوة الاندفاع هذه. هذا هو الفرق بين من يعمل ومن لا يعمل، بل إنه الفرق بين من يعمل ويبدع ومن يعمل ولا يبدع، تماما كما هو الفرق بين الذين يعملون وينجزون والذين يجلسون على كراسي الانتظار مكتفين بالفرجة.

يُقال إن قوما سمعوا صوتا يهتف بهم: تقدموا. فقال القوم: نخاف أن نسقط في الهاوية أمامنا فنهلك. فقال الصوت: تقدموا. فرد القوم: نخاف أن يدفعنا أحد من ورائنا فنهلك. فصرخ الصوت: تقدموا. فتقدم الناس، وما أن وصلوا إلى الحافة حتى هرعت القيادة فدفعتهم وإذ بالناس يطيرون وينجون من الهلاك بدلاً من أن يقعوا فيه. ما هو المقصود بهذه المرويّة؟ يتساءل صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في كتابه «رؤيتي».

المقصود أن القائد يرى في المستقبل أموراً لا يقدر الآخرون على رؤيتها. هكذا يلخِّص سموه مسألة القيادة في كلمات قليلة العدد كبيرة المعنى، وهو ما طبقه سموه ويطبقه كل يوم ضارباً المثل والقدوة على أن القائد هو من يتقدم الصفوف ليقودها إلى كسب السباق. فإنَّك إنْ لم تكن في الطليعة فأنت في الخلف. إن لم تكن في المقدمة فأنت تتنازل عن مكانك الطبيعي لصالح منافس آخر ربما كان أقل منك مقدرة واستعدادا وإبداعا. إن كنت دخلت السباق ولم تفز في المرة الأولى فلا بأس. هذا ليس فشلا بل كبوة، وجميعنا يعرف أن لكل جواد كبوة.

الفشل الحقيقي ـ في رأي سموه ـ ليس أن تقع على الأرض، لكن أن تظل على الأرض عندما يطلب منك الوقوف. والفشل الأكبر هو ألا تريد أن تقف مرة أخرى. ولذلك فإن كل يوم تشرق شمسه على أرض الإمارات يشهد بأن ثمة نجاحاً جديداً قد تحقق، وأن لمسة أخرى تضاف إلى الصورة كي تزيدها جمالاً وألقاً، لتثبت أن القيادة فن يجيده أولئك الذين يتمتعون برؤية ثاقبة، وإرادة قادرة على الفعل والتغيير، ومقدرة على استشراف المستقبل، لأن التوقف لحظة عن مسابقة الزمن يفقدنا القدرة على ارتياد المستقبل، والمستقبل لأولئك الذين يسعون إليه، لا الذين ينتظرون قدومه إليهم وهم واقفون في أماكنهم لا يحركون ساكناً.

كاتب إماراتي

aliobaid2000@hotmail.com