يتفق جميع المراقبين على أن المنطقة العربية في الوقت الراهن أمام مشهد محفوف بالتحديات والمخاطر، إلى جانب العديد من الاستحقاقات التي ينبغي مواجهتها في إطار من التنسيق المشترك والتحرك الجماعي المدروس والأداء الذي يستمد مساراته من رؤية استراتيجية قادرة على استشراف مجمل هذه المتغيرات والتعاطي معها بموقف عربي موحد.
والحق أن اليمن كانت سباقة في التنبيه إلى ما سيترتب عن مقابلة هذه المتغيرات بنوع من الانقسام والتشرذم والخلافات الجانبية بين الأقطار العربية لإدراكها ما سيعكسه هذا الوضع من عواقب وخيمة على حاضر ومستقبل الأمة.
ولذلك فقد ظلت موجهات السياسة اليمنية تضع في أولوياتها مسألة التضامن وخلق موقف عربي متماسك قادر على مجابهة هذه التطورات بروح واحدة وسياسة منسقة خاصة بعد أن برهنت التجارب الماضية أن السياسات الانفرادية لا يمكن أن تقود إلى نتائج إيجابية وحلول عملية بقدر ما تؤدي إلى مزيد من التجاذبات المضرة بالمصالح العربية والقومية.
ومما تقدم يتضح تماما أن اليمن بسياستها المتوازنة ومواقفها المبدئية الثابتة أصبحت تحتل مكانة بارزة على الصعيدين الإقليمي والعربي، كما أنها باتت تحظى بتقدير الأشقاء والأصدقاء الذين ينظرون إلى مواقفها من منظور ما تطرحه من رؤى وأفكار تخدم عوامل الأمن والاستقرار في المنطقة وخارجها.
وتتعزز هذه المكانة بالمفهوم الذي طالما تميزت به مواقف اليمن في تعاملها مع القضايا العارضة والطارئة وكذا الأزمات التي تمر بها منطقتنا العربية.
ونعتقد أن الدعوتين اللتين تلقاهما فخامة الرئيس علي عبدالله صالح - من أخويه الشيخ خليفة بن زايد والعقيد معمر القذافي لزيارة دولة الإمارات والجماهيرية الليبية الشقيقتين وذلك للتباحث والتشاور وتبادل وجهات النظر إزاء المستجدات الماثلة - تندرجان في صلب ذلك الهدف الجوهري الذي يرنو إلى تفعيل التضامن العربي ووحدة الصف ولما من شأنه التصدي للأخطار المحدقة بأمتنا وقطع الطريق أمام أية محاولة ترمي إلى إخضاع هذه المنطقة لأشكال الابتزاز والاستهداف.
وفي ظل هذه الوضعية الحرجة التي تبرز في مشاهد الدمار والنزيف الدامي الذي يغطي كل زاوية في العراق أو في فظاعة الإرهاب الإسرائيلي الذي استباح حرمة الدم الفلسطيني وكذا الأزمة المستفحلة في لبنان وغيرها من المهددات التي يتعرض لها الأمن القومي العربي.. لابد أن يكتسب كل لقاء عربي فاعلية قصوى ليسهم بصورة جدية في تمتين القواسم المشتركة بين شعوب هذه الأمة.
ومن أجل تحقيق هذا الهدف فإن الضرورة تستدعي من العرب السمو فوق خلافاتهم وتبايناتهم وتركيز جهودهم على تعميق روح الشراكة والتكامل والتعاون والإحساس العميق بأن ما حدث أو ما سيحدث في المستقبل من تغيرات أو تحولات نحن جميعاً معنيون بالتعامل مع مجرياتها بآليات العصر الذي نعيشه بعيداً عن تلك الوسائل التقليدية التي ثبت فشلها في الماضي.
أي أننا بحاجة إلى مراجعة شاملة لا تغرق في الحجج والخطاب التبريري أو الذرائع، واستبدال ذلك بسياسة واقعية تتطلع إلى الآفق البعيد وتجعل من التكامل العربي في الاقتصاد والسياسة منطلقاً لضمان وحدة الأمة وصيانة أمنها واستقرارها واعتبار ذلك مدخلاً لنهوضها الشامل في ميادين التنمية والتطور والازدهار.