في الوقت الذي كان فيه الاحتلال الاسرائيلي يعتدي على الشعب الفلسطيني في مدينة رام الله ومناطق اخرى من الضفة الغربية ، كان المسلحون الفلسطينيون يعتدون على بعضهم البعض في غزة متناسين معركتهم الحقيقية ، ومتنكرين لنضال اجيال من ابناء ذلك الشعب المجاهد الصابر المرابط ، في صراع مخز على لا شيء سوى التمترس وراء الشعارات التي قصرت وضاقت كثيرا امام حجم التحديات التي تواجهها القضية الفلسطينية وطنيا واقليميا ودوليا.
في رام الله حيث قتل الاسرائيليون وجرحوا العشرات كان الاحتلال يسفر عن وجهه البغيض كعادته لا يقيم وزنا للدم الفلسطيني ، ولا حتى للمباحثات التي يجريها الرئيس المصري حسني مبارك مع رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود اولمرت على امل ان يدفع بعملية السلام الى الامام ، وفي غزة حيث سمحت بعض الجماعات الفلسطينية لنفسها ان تعيث فسادا وتوجه السلاح في الاتجاه الخاطئ وتخطف الصحافيين والاجانب كان الموقف الفلسطيني يضعف ليصير اقل من ان يحسب في المعادلة السياسية ، ويتحول الى عائق في طريق اي جهد يستهدف الانتصار للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.
من غير المفهوم ولا المعقول ان يتجمد النضال الفلسطيني عند قطبي فتح وحماس ، وان يدخل الطرفان او يدخل من بينهما الفوضويون ليطيحوا بقدسية قضيتهم في صراع غير مشرف على سلطة زائفة بدل ان يواصلوا كفاحهم من اجل حريتهم وكرامتهم واستقلالهم الوطني ، ومن المحزن فعلا والمثير للغضب ان يروا ويسمعوا ما يفعله الاسرائيليون بشعبهم فلا يلحظون سوء الموقف الذي وضعوا انفسهم فيه ، ومن غير اللائق ان نقول نحن وغيرنا لهم ما يتوجب عليهم ان يفهموه الا اذا كانت الابصار قد عميت والاذان قد صمت وغاب الضمير.
نشعر بالاسى ونحن نراقب عمليات الاغتيال المتبادلة والاتهامات الفارغة ، وذلك الاصرار على استثناء الحوار الوطني وادارة الظهر لوثيقة الاسرى التي شكلت قاعدة اللقاء من اجل فلسطين ، واستبدال ذلك كله بلغة الشتم والتجريح والاتهام والرصاص ، فالى اين يقود هذا الطريق المظلم والاثم غير طريق الهاوية والموت؟
باي حق يوضع الشعب الفلسطيني بين نارين: نار الاحتلال الاسرائيلي ونار الاقتتال بين اخوة السلاح في الوقت ذاته والمكان ذاته؟ ومن هو المسؤول عن هذا السقوط في الفتنة التي هي اشد من القتل الذي يمارسه الاسرائيليون وبعض الفلسطينيين في ان معا؟ وما هي النتيجة التي تتوقعها الاطراف المسؤولة عن تلك المأساة المروعة؟
من حقنا ان نوجه كل تلك الاسئلة المشروعة لان القضية الفلسطينية هي قضيتنا ايضا ، ونحن ومعنا بعض الاشقاء العرب نقاتل معركتها السياسية ، ونبذل كل ما نستطيع من جهد في سبيل انهاء الخلافات الجانبية مهما كانت اسبابها ومبرراتها ، ومن اجل ان نجمع من حول عدالة تلك القضية تحالفا دوليا مناصرا لحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة وفي المقدمة منها حقه في اقامة دولته المستقلة على ارضه ، وما زلنا رغم كل شيء نأمل في ان يعود الجميع الى رشدهم قبل ان يفوت الوقت ، او يأتي الصواب متأخرا فلا تكون له قيمة ولا وزن بعد ان تستثمر اسرائيل النزاعات الفلسطينية لتقول للعالم أهؤلاء هم الذين تطلبون منا التفاوض معهم؟،