تركيا التي أراد لها مصطفى كمال أتاتورك أن تخلع «الطربوش» وتلبس «القبعة الغربية ـ البرنيطة» منذ عشرينات القرن الماضي.. تبدو هذه الأيام وكأنها قد تعبت من القرع على أبواب أوروبا «المغلقة» أمامها، فهل هي عودة «الابن الضال» إلى حجر العائلة؟

ما يمكن قوله اليوم هو أن الأتراك لم يعودوا يعولون، بل ربما لا يعقدون أي أمل، على الأوروبيين الذين «خدعوهم»، ووضعوا أمامهم العراقيل، واحداً تلو الآخر، من أجل منعهم من الانضمام أو بدقة أكبر من أفق الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وكان آخر هذه العراقيل ما كان قد عبّر عنه قبل أيام الرئيس الفرنسي جاك شيراك، بعد غيره من القادة الأوروبيين.

ومفاده أن قبول تركيا، ودول أخرى كي لا يتم الحديث عن تركيا وحدها، سيكون مشروطاً بالموافقة عليه عبر استفتاء شعبي. هذا ناهيك عن إثارة المشكلة القبرصية وفتح الموانئ التركية أمام القبارصة اليونانيين ومنح الأقليات في تركيا حقوقها وطرح مسألة المجزرة ضد الأرمن عام 1915 والتأكيد على الديمقراطية عامة وحقوق المرأة خاصة.. باختصار إثارة كل ما منه أن يؤكد على أن تركيا ليست، ولا يمكن أن تكون، بلداً أوروبياً.

أمام هذا كله يبدو أن الأتراك يديرون ظهرهم جدّياً، للمرّة الأولى، لأوروبا منذ عقود طويلة، وذلك كي يتوجهوا صوب محيطهم الآسيوي والعربي ـ الإسلامي. وها هم القادة الأتراك يكررون في الفترة الأخيرة زياراتهم لـ «الجيران» في المنطقة القريبين منهم والبعيدين، ويسعون إلى إقامة تحالفات مع روسيا وإيران وتعزيز دورهم الإقليمي، بما في ذلك المشاركة في قوة «اليونيفيل» الدولية في جنوب لبنان. بل ويساهمون بنشاط في مختلف الاجتماعات واللقاءات الخاصة بالأمن الإقليمي عامة والأمن في العراق خاصة.

إن هذا التوجه الجديد ظهرت نتائجه أيضا على الصعيد الداخلي التركي عبر انتعاش التوجهات اليمينية، المتطرفة إلى هذه الدرجة أو تلك، وخاصة حزب العمل القومي الذي دلّت استطلاعات الرأي الأخيرة أنه يحظى بتأييد نسبة تقارب 20% من أصوات الناخبين مقابل 7% فقط في الأمس القريب. وتعززت بالتوازي مع ذلك شوكة التيارات الإسلامية، وغدا يتم النظر إلى أنصار الديمقراطية على الطريقة الغربية كـ «خونة» من قبل شعب أكّد 78% من أبنائه، حسب الاستطلاعات نفسها، أنهم لم يعودوا يثقون بـ «القارة القديمة» كما أن زيارة بابا الفاتيكان، بندكتوس السادس عشر الأخيرة لم تعدّل من معطيات المشهد التركي القائم.

وفي المحصلة يبدو أن توجهات تركيا السياسية تميل نحو خاصرتها الآسيوية، وهذا ما عبّر عنه وزير خارجية ألمانيا السابق يوشكا فيشر بالقول: «إن التشدد الأوروبي يدفع تركيا نحو إقامة تحالفات مع روسيا وإيران».

لكن يبدو أيضا أن القادة الأتراك يتحركون باتجاه العالم العربي والإسلامي، ولكنهم لم يحسموا بعد وجهة تحالفاتهم الأساسية، وهل ستكون باتجاه «النهج المتشدد» في الجوار السوري الإيراني مما سيغضب أميركا وحلفاءها، أم باتجاه «النهج المعتدل» الذي تريد الولايات المتحدة تعزيز مواقعه في المنطقة؟ مهما يكن الخيار التركي المهم إقليميا، ستكون له آثاره المباشرة على الوضع التركي. وبكل الأحوال سوف تتضح معالم التوجه التركي القادم أكثر بعد الانتخابات الرئاسية في شهر إبريل المقبل 2007 ثم الانتخابات التشريعية في نهاية العام نفسه.

رئيس تحرير مجلة قراءات ـ باريس