انتهى عام 2006 ولم تنته معه الأزمات الكبيرة والخطيرة التي تهدد مستقبل العديد من الدول العربية وشعوبها ليرث العام الجديد 2007 تركة ثقيلة من التراكمات السياسية والأمنية التي بدأت قبل عام 2006 ولكنها شهدت منعطفات غير مسبوقة في هذا العام المنصرم. وهذه الأزمات الكبيرة التي تفاقم كثير منها في عام 2006 يبدو أنها قد تتحول إلى قضايا مزمنة يصعب التعاطي معها أو قد لا يكون الحل ممكناً.

فالتدهور السياسي والأمني والاقتصادي في العراق على سبيل المثال واستمرار الاحتلال الأميركي السبب الأساسي في هذا التدهور الشامل ينبئ باستمرار الأزمة العراقية لسنوات طويلة، هذا في الوقت الذي تفتقد الدول العربية والجامعة العربية الحاضنة لها إلى أي دور أو رؤية أو استراتيجية تقود إلى احتواء الأزمات وحلها لأن اهتمامات الدول العربية تتباين وتختلف حسب الآثار التي تنعكس عليها أو على طموحاتها أو على علاقاتها الخارجية، فعلى صعيد القضية الفلسطينية شهد العام المنصرم افتراق الدول العربية في موقفها من التعامل مع الحقائق التي أفرزتها الانتخابات الفلسطينية الأخيرة التي جاءت بحركة المقاومة الإسلامية (حماس) إلى السلطة وما تلا ذلك من تداعيات محلية وإقليمية ودولية.

واقتصر إجماع الدول العربية على التمسك بمبادرة السلام العربية الصادرة عن قمة بيروت عام 2002 باعتبارها الأساس لحل الصراع العربي ـ الإسرائيلي وخارطة الطريق التي تتبناها المجموعة الدولية المعروفة ب«الرباعية، وما خلا ذلك فقد تزايد اهتمام دولة قطر بالشأن الفلسطيني الداخلي، فاستقبلت أركان الحكومة التي تسيطر عليها حركة حماس أكثر من مرة، وفي مقدمتهم رئيس الحكومة إسماعيل هنية وقدمت له دعما ماليا لحكومته. وقام وزير الخارجية حمد بن جاسم بدور الوساطة لحل الخلافات التي نشأت بين رئيسي السلطة محمود عباس والحكومة إسماعيل هنية حول تشكيل حكومة وحدة وطنية.

ومن جهة أخرى واصلت مصر دورها المعتاد في رعاية التفاوض بين الأطراف الفلسطينية لتفادي الصدام الداخلي، وبين الفلسطينيين والإسرائيليين لإنجاح عملية تبادل الجندي الإسرائيلي الأسير جلعاد شاليت مع الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال.

أما المملكة العربية السعودية فقد اكتفت بدعم الدور المصري والأردني، بينما وسعت سوريا من جهودها لدعم الحكومة الفلسطينية الجديدة مما عزز اعتقادا عربيا ودوليا بأهمية الدور السوري في المساعدة على إيجاد تسويات للقضية الفلسطينية لاسيما وأن دمشق تستضيف الفصائل الفلسطينية العشرة المعارضة لاتفاقيات أوسلو وسياسة السلطة الفلسطينية. لكن القضية الفلسطينية لا تزال تصطدم بحائط منيع من الرفض الإسرائيلي لأية تسوية سياسية ترتكز على القرارات الدولية وعلى رأسها القراران 242 و338 وقيام دولة فلسطينية على جميع الأراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1967.

إن الرفض الإسرائيلي الصلب والمدعوم من الولايات المتحدة من جهة وضعف الموقف العربي وعدم قدرة الحكومات العربية على ممارسة أي ضغط على واشنطن والمجتمع الدولي من جهة أخرى يشير إلى أن عام 2007 لن يشهد أي تطور إيجابي لأن المعطيات المحلية الإقليمية والدولية لا تزال موجودة بقوة على أرض الواقع، ولكن المقلق في الوضع الفلسطيني هو ذلك التطور الخطير الذي شهدته الأراضي الفلسطينية المحتلة والذي تجسد في الخلافات الدموية التي نشبت بين أكبر فصيلين فلسطينيين هما فتح وحماس حول مسألة الحكومة الوطنية والانتخابات الرئاسية والتشريعية التي أعلن عنها الرئيس عباس والشروط الدولية المطالبة لرفع الحصار المالي الذي فرض على الشعب الفلسطيني من قبل المجتمع الدولي بما فيه الدول العربية.

أما عراقياً فقد ازدادت الأوضاع الأمنية والسياسية والمالية والخدماتية سوء وتزايدت الخسائر البشرية العراقية بشكل مرعب إضافة إلى ازدياد خسائر القوات الأميركية خلال العام 2006، في الوقت الذي بدا أن الدول العربية والعالم الإسلامي يقف في موقع العاجز عن تسجيل أي مبادرة عملية تذكر، والأخطر أن هذا العام شهد احتداما في الخطاب السياسي والممارسات المذهبية بين السنة والشيعة وبدا أن بعض الدول العربية قد تعزز دورها في العراق خلال العام الجديد وخاصة سوريا والسعودية لمواكبة الدور القوي الذي تلعبه إيران منذ سقوط الدولة العراقية عام 2003.

وتشهد السعودية تعاطفا شعبيا متزايدا مع السنة في العراق، ظهرت أبرز تجلياته فيما سمي ببيان الدعاة والمثقفين السعوديين الذي دعا لنصرة أهل السنة في العراق «وإنقاذهم مما أسموه القتل والتعذيب والتهجير»، ورغم نفي وزير الخارجية سعود الفيصل صلة السعودية بالبيان وتأكيده أن بلاده لن «تنصب نفسها حامية لأي فئة أو طائفة»، فإن إيران ـ على لسان رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني ـ أبدت قلقها مما سمته «التلميحات» بأن السعودية قد تتدخل، لدعم المسلمين السنة في العراق، إذا سحبت الولايات المتحدة قواتها.

أما سوريا المتهمة بفتح حدودها للمتسللين للانضمام للجماعات المسلحة في حربها ضد القوات الأميركية بالعراق، فقد سجلت تقدما في تعاونها مع الحكومة العراقية بفتح سفارة لها ببغداد، وإبداء استعداد للتعاون مع واشنطن بالمنطقة، ولكن طبيعة الدور السوري أو السعودي أو حتى العربي بشكله العام لن تتحدد ملامحه قبل أن يتخذ الرئيس الأميركي جورج بوش قراره النهائي في كيفية التعامل مع الشأن العراقي خلال بداية العام الجديد لاسيما وأن تقرير بيكر ـ هاملتون بين أن الأوضاع في العراق تسير نحو حرب أهلية شاملة.

أما لبنانياً فقد حظي لبنان بدعم عربي واسع في مسعى لتجاوز الآثار السلبية للخلافات السياسية الداخلية ولآثار الحرب الإسرائيلية الأخيرة.

ولكن الخلافات بين الدول العربية تجاه الحل في لبنان كانت أحد الأسباب التي أفشلت جلسات الحوار الوطني اللبناني، وأحد الأسباب التي ألهبت الخلافات الداخلية في أعقاب عدوان يوليو عام 2006، فقد اختلفت سوريا والسعودية بشأن المحكمة الدولية أولا، وبشأن وصف الحرب الإسرائيلية على لبنان ومسببها تاليا، حين ظهر تصريح منسوب لمصدر سعودي أثناء الحرب وصف خطف حزب الله للجنديين الإسرائيليين بأنه مغامرة، الأمر الذي أجج الخلافات بين حزب الله وحليفته سوريا ومن ورائهما إيران من جهة، والسعودية ومن ورائها مصر والأردن من جهة أخرى، مما تجلى في الشارع اللبناني احتقانا مذهبيا بين السنة والشيعة.

وبرز دور دولة قطر في العام 2006 حين قامت بمساهمة فعالة في إعادة إعمار الجنوب، وزار أميرها الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني لبنان، وتفقد الضاحية الجنوبية المنكوبة، في دلالة سياسية داعمة للمقاومة اللبنانية في موقف مغاير للموقف السعودي وكان هذا مؤشراً لوجود خلافات بين دولتين أعضاء في مجلس التعاون الخليجي.

كما لوحظ بروز دور أردني سياسي جديد في لبنان وإن كان لا يزال في بدايته ضامرا نتيجة الوجود السوري، وكذلك تضاعف اهتمام مصر بلبنان وزاد سفيرها من تحركاته للوساطة بين الفرقاء اللبنانيين، كما ازدادت زيارات السياسيين اللبنانيين لمصر وخاصة من قوى 14 مارس الحاكمة.

وانتهى العام 2006 ولا يزال لبنان يعيش انقساماً حاداً بين قوى السلطة وقوى المعارضة ولم تنجح المبادرة العربية التي جاء بها الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى في تجسير الهوة بينهما وأصبح واضحاً أن لبنان يخضع لمعادلة إقليمية ـ دولية معقدة تتطلب جهوداً عربية مكثفة قبل أن تشهد الساحة اللبنانية مزيداً من التدهور.

في الشأن السوداني استأثرت أزمة دارفور بالاهتمام الدولي، واقتصر اهتمام بعض الدول العربية المعنية مباشرة بالأزمة في السودان على إدارتها فقط والبقاء على الاطلاع على مستجداتها لأسبابها الخاصة، وكانت القمة العربية في الخرطوم قد خرجت بقرار يقضي بتمويل ودعم قوات الاتحاد الأفريقي ماديا وعسكريا لمدة ستة أشهر فقط، في خطوة لتأكيد رفض العرب نشر أي قوة دولية دون موافقة الحكومة السودانية، حين جاء القرار الأممي 1706 يؤكد على ضرورة أن يقبل السودان نشر قوة أممية في دارفور، ولكن السودان في نهاية الأمر اضطر لأن يذعن ويوافق على نشر قوات دولية في الإقليم ولكن على أن تكون مشتركة مع القوات الأفريقية. وجاء القرار السوداني في أواخر العام الحالي إثر تهديدات أميركية وبريطانية بفرض عقوبات في حال ما لم ينفذ القرار الأممي، وذلك في ظل صمت عربي.

والآن تشهد الصومال تطورات سريعة أدت إلى دخول القوات الإثيوبية المدعومة من الولايات المتحدة لإسقاط حكومة المحاكم الإسلامية أمام مواقف عربية غير واضحة اتسمت بالضعف في معالجة الأزمة الصومالية عبر عمرها المديد، وهو ما لم يتغير خلال 2006. وبناء عليه سطر عام 2006 فشلاً ذريعاً للسياسة العربية في التعاطي مع الأزمات التي اجتاحت الوطن العربي ويستمر الخوف عند الشعوب العربية في أن تبقى حكوماتها عاجزة ومشلولة أمام التدهور الخطير في أكثر من مكان وينتهي العام الجديد 2007 كما انتهى سلفه 2006.

كاتب وباحث سياسي

isam997@hotmail.com