شغل الفيلسوف الفرنسي ذو الأصل البلغاري تزفيتان تودوروف الساحة الثقافية الفرنسية طيلة العام المنصرم. فقد كان المشرف العام على المعرض الكبير الذي نظمته المكتبة الوطنية في باريس عن موضوع التنوير على مدار ثلاثة أشهر متواصلة. وقد حظي المعرض بتغطية إعلامية كبيرة في الصحف والمجلات الفرنسية وكرست له ملاحق ثقافية عديدة. وتذكر الفرنسيون عندئذ عصرهم التنويري الكبير إبان القرن الثامن عشر وقالوا ان ارثه الثقافي لم يمت أبدا. على العكس فإنه لا يزال حيا الآن أكثر من أي وقت مضى. لماذا؟ لأن الأصوليات المتعصبة لا تزال تسيطر على مناطق واسعة من العالم خارج حدود أوروبا الغربية وبالتالي فالتنوير الفكري لا يزال ضرورياً لإنقاذنا منها.
نحن لا نزال بحاجة الى فولتير وديدرو وجان جاك روسو وكانط وسواهم من كبار الفلاسفة لمكافحة الطائفية والمذهبية والفهم الخاطئ للدين ورسالته السامية. فحركة التنوير العلمي والفلسفي هي التي أنقذت أوروبا من محاكم التفتيش التكفيرية والحروب الطائفية التي مزقتها على مدار القرون عندما كانت لا تزال أصولية متعصبة او اقطاعية متخلفة. ومعلوم ان أوروبا المسيحية كانت مقسومة آنذاك الى مذهبين أساسيين هما: المذهب الكاثوليكي البابوي الروماني والمذهب الإصلاحي البروتستانتي الذي لا يعترف بالبابا ولا بالفاتيكان.
وقد حصلت مجازر كبيرة بين الطرفين قبل ان تستنير أوروبا وتتحضر وتخرج من جهالتها الظلامية. لقد حصلت مجازر مرعبة وتهجير للسكان من مناطق بأسرها تماما كما يحصل الآن للأسف الشديد في العراق بين أبناء الدين الواحد: أي السنة والشيعة. ويقال ان ألمانيا فقدت ثلث سكانها في القرن السابع عشر ابان حرب الثلاثين عاما الشهيرة التي اكتسحتها من شمالها الى جنوبها واكتسحت بلدانا أوروبية أخرى عديدة معها. عندئذ نهض المثقفون الأوروبيون وراحوا يتساءلون بينهم وبين أنفسهم: لماذا يحصل هذا وكل طرف يزعم انه مسيحيي مؤمن؟ وكيف يمكن للإيمان ان يؤدي الى مثل هذه الأعمال الوحشية؟ لا بد في ان هناك خللاً في مكان ما.
واكتشفوا ان الخطأ يكمن في طريقة فهم العقيدة والنصوص المقدسة. عندئذ راحوا يبحثون عن بلورة تفسير جديد للدين: أي تفسير عقلاني مستنير يكون قادرا على مواجهة التفسير الظلامي الطائفي الراسخ الجذور منذ مئات السنين. هنا تكمن عظمة التنوير في رأي تودوروف. فالتيار العريض للتنوير لم يكن ملحدا على عكس ما نتوهم، وانما كان مؤمنا ولكن بشكل عقلاني محض على طريقة فولتير او كانط او جان جاك روسو. كان إيمانا متسامحا يقبل الاختلاف في العقيدة والمذهب ولا يعتبره جريمة ما دامت النية صافية والعمل صالحا.
على هذا النحو انتصر التيار العقلاني الليبرالي في المسيحية الأوروبية على التيار الأصولي الطائفي الذي يلعب على وتر العصبيات الضيقة ويشحن النفوس ضد بعضها البعض ويهدد وحدة المجتمع وتماسكه.وبعدئذ لم يعد احد يذبح أحدا على الهوية كما كان يحصل سابقا. ويرى تودوروف ان روح التنوير تكمن أساسا في المبدأ التالي: الجنس البشري واحد على الرغم من اختلاف أجناسه وأعراقه وطوائفه. ولا فضل لأحد على احد الا بالنزاهة الشخصية والعمل الصالح وخدمة المجتمع.اما ماذا تعتقد او لا تعتقد فهذه مسألة شخصية بينك وبين ربك ولا يحق لأحد ان يحاسبك عليها. وبالتالي فحرية الضمير او المعتقد مضمونة فقط في المجتمعات التنويرية المتقدمة. ولذلك أقلعت حضاريا وسبقت غيرها بعد ان حلت عقدها المزمنة او صفت حساباتها التاريخية مع نفسها.
مجتمعات ما قبل الحداثة هي وحدها المعقدة نفسيا او المشحونة طائفيا ومذهبيا. انظر الى ألمانيا المعاصرة بعد ان تحررت من كابوس الطائفية او المذهبية. من يعرف بأن المستشار الذي وحدها كان ينتمي الى الأقلية الكاثوليكية؟ نقصد هيلموت كول الذي حكمها أطول فترة ممكنة. ومن يعرف ان مستشارها السابق شرودر كان بروتستانتيا وكذلك مستشارتها الحالية انجيلا ميركيل؟ لا احد يهتم بهذه الأمور في المانيا الآن. كلهم وطنيون ألمان وكفى.
ولكن قبل مئة سنة او مئتي سنة بالأحرى كان ذلك امراً مستحيلاً وهذا دليل على ان التنوير مر من هنا. هذا دليل على ان لايبنتز وليسنغ وكانط وفيخته وهيغل وشيلنغ وعشرات غيرهم مروا من هنا. دلوني على أمثالهم في العالم العربي لكي اقبل أيديهم، لكي امشي وراءهم، لكي اهتدي بضوئهم. ولذلك يقول تودوروف بأن عصر التنوير شكل قطيعة كبرى في تاريخ البشرية بالقياس الى كل العصور التي سبقته.ففي الماضي كان الإنسان الكامل المتمتع بكافة الحقوق هو ذلك الشخص الذي ينتمي الى الأغلبية الطائفية او المذهبية في المجتمع.
واما بدءا من عصر التنوير او قل بعد انتصاره السياسي على أيدي الثورة الانجليزية فالأميركية فالفرنسية فإن الناس جميعا أصبحوا سواسية. وهذا ما اتاح لشخص مثل ليونيل جوسبان ان يحكم فرنسا طيلة خمس سنوات متواصلة في حين انه ينتمي الى اقلية مذهبية صغيرة جدا لا تتجاوز نسبتها اثنين في المئة من عدد السكان. وقل الأمر ذاته عن جون كيندي الكاثوليكي الذي حكم أميركا البروتستانتية الخ.. وبالتالي فالمساواة في المواطنية حلت محل التمييز الطائفي الذي كان سائدا سابقا. وهنا أيضا تكمن قطيعة التنوير الكبرى.
ولذلك فإن تودوروف يعرف التنوير قائلاً بأنه يعني ثلاثة أشياء: انتشار العقلانية العلمية في المجتمع على حساب الأصولية الدينية والعقلية الخرافية زائد سيادة دولة القانون والمؤسسات زائد احترام حقوق الإنسان وكرامته ايا يكن أصله وفصله او عرقه وطائفته ومذهبه. فالجنس البشري واحد في نهاية المطاف وكل شخص له كرامته.وهناك مبدأ مهم جدا لكبير فلاسفة التنوير كانط يقول بما معناه: لا ينبغي إطلاقا ان نتعامل مع الإنسان كأداة او كرجل كرسي وإنما كغاية بحد ذاتها وككرامة. وأخيرا يرى تودوروف ان بذور التنوير كانت موجودة في كل الحضارات ولكنها لم تتفتح وتنضج فعلا الا في الحضارة الأوروبية الحديثة.
فقد وجدت بذور التنوير الأولى في الحضارة الهندية والصينية والعربية الإسلامية بالطبع. وكلنا يعلم حجم الدور الذي لعبته حضارة بغداد وقرطبة في تطوير العلوم والفلسفة العقلانية بل وتدشين النهضة الأوروبية الأولى. ولكن للأسف الشديد لم يتح لهذه الحضارة الرائعة ان تصل الى نهاياتها كما حصل في أوروبا لاحقا. ولم يستطع المفكرون العرب على الرغم من جرأتهم ان ينتصروا على التيار الأصولي المعادي للفلسفة او للعلوم الدخيلة كما يقول ابن قتيبة.
اما فلاسفة فرنسا والمانيا وانجلترا وكل أوروبا فقد استطاعوا تحقيق هذه المعجزة وان بعد معارك طاحنة استغرقت كل القرنين الثامن عشر والتاسع عشر بل وحتى منتصف القرن العشرين. ويرى تودوروف ان المفكرين الأحرار في الإسلام قمعوا بعنف بعد القرن العاشر الميلادي على الأقل في المشرق وذلك قبل ان تنتقل الفلسفة الى المغرب والأندلس لكي تقمع هناك أيضا ولكن بعد قرنين من الزمن وبعد ان أنجبت فلاسفة كبارا ليس اقلهم ابن طفيل وابن باجة وابن رشد. ولم تقم للفلسفة بعدئذ قائمة في ارض الإسلام طيلة عصور الانحطاط ، أي بشكل من الاشكال حتى اليوم. فتدريس الفلسفة محرم او ممنوع في بعض الدول العربية والإسلامية لأنه يهدد الاعتقاد الديني بحسب رأي الجهلة والظلاميين المنغلقين عقليا.
ولكن السؤال الذي نطرحه عليهم هو التالي: لماذا لم يكن يهدد الإيمان في عصر الكندي او الفارابي او أبي بكر الرازي او ابن سينا ؟ ولماذا لم تقنعهم محاجات ابن رشد الواردة بكل وضوح في كتابه الشهير: فصل المقال بين الحكمة والشريعة من الاتصال؟ لماذا قبل أسلافنا العظام بالمزاوجة بين الدين والفلسفة ولا نقبل نحن؟ وهل وصل بنا الانحطاط الى درجة اننا نرفض ما كان مقبولا قبل عشرة قرون؟
لا يمكن للعراق ان يتجاوز محنته ولا للعالم العربي ككل ان لم نحدث القطيعة الابستمولوجية الكبرى مع التأويل الظلامي والطائفي للدين ونحل محله التأويل المستنير والعقلاني. فهو وحده القادر على ان يجمع بين كل ابناء الوطن على أرضيته المنفتحة الواسعة. وهو التأويل الذي كانت بذوره موجودة عند فلاسفتنا الكبار ولكنه لم يتحقق كليا الا على يد فلاسفة التنوير الأوروبي. فلا احد يسمع عن حصول مشاكل طائفية او مذهبية في الدول الأوروبية المتقدمة. هذا شيء انتهى كليا وأصبح في ذمة الماضي.الجميع أصبحوا مواطنين درجة اولى وعلى قدم المساواة. والواقع ان انفجار المكبوت السحيق في العراق او غير العراق لم يفاجئنا بل كنا نتوقعه ونخشاه منذ اكثر من عشرين سنة.
وعندما كنا نتحدث عنه او نحاول التحذير منه في كتاباتنا او ترجماتنا كانوا يستخفون بكلامنا ، هذا اذا لم يتهمونا بأننا نخلق المشكلة من أساسها . كم كنت اجد الثقافة العربية سطحية آنذاك بل وغافلة عن القضايا الأساسية والمصيرية. وكم كنت احزن لأن أشباه المثقفين العرب يسيطرون عليها من كل النواحي تقريبا.اما الآن فقد تغيرت الصورة قليلاً او قل انها في طور التغير لحسن الحظ. فالتنويريون العرب أصبحوا يظهرون هنا او هناك في ارض المواطن والشتات. فالواقع ان الحاجة ام الاختراع كما يقال. وظهورهم يشعل الأمل في القلب كما ينبت العشب في الأرض البوار. وعليهم تعقد الآمال لتخليص الأمة من براثن الجهل وإخطبوط الانحطاط التاريخي المزمن والطويل.
كاتب سوري
باريس