عاد الفتى بعد صلاة العيد إلى البيت وأدار جهاز التلفاز فتابع نقل صلاة وخطبة العيد من مكة المكرمة فعادت به الذكريات لعشر سنين خلت حيث كان بين جموع الحجيج الذين لبوا نداء ربهم «من كل فج عميق» لزيارة البيت العتيق والطواف والسعي والشكر على النعم. فرحل الفؤاد والعقل إلى هناك وسبقهما السمع والبصر.

أفواج كموج البحر يتدافق بقلوب انصع بياضا من الثياب التي يرتدونها والحناجر ملبية وتلهج بالدعاء «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، ان الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك لبيك».

ذكر الخطيب المسلمين بخطبة سيد البشر محمد صلى الله عليه وسلم ووصيته للصحابة ومن من بعدهم بحرمة دمائهم بقوله «ألا إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا حتى تلقوا ربكم»، وسنتذكر هذا الحديث الشريف ونحن نرى دماء المسلمين في كثير من بقاع الأرض تسيل بأيدي الأعداء وأيدي بعضهم بعضا في فلسطين والعراق ولبنان وأفغانستان والصومال وغيرها متناسين تحذير الحبيب المصطفى بان هدم الكعبة أهون عند الله من قتل مسلم. فلا يجب أن تراق غير دماء الأضاحي في هذا العيد وان التضحية بالإخوة والأصدقاء والزعماء أو نحرهم وتقديمهم قرابين للأعداء حرام وان السبيل الوحيد لحل أي خلاف بين إخوة الدم والعقيدة هو الحوار والكلمة الطيبة.

العيد عود للفطرة وصلة للرحم وزيارة للأصدقاء ومواساة لليتامى والفقراء وتجدد للأمل خصوصا وانه يترافق مع مطلع عام جديد يذكرنا بميلاد السيد المسيح عليه السلام ورسالته لتخليص البشر من الآثام وتطهير النفوس وقد تابعنا على قناة فلسطين الفضائية نقل احتفالات الميلاد من كنيسة المهد ببيت لحم في فلسطين حيث ولد عيسى عليه السلام والتي شارك فيها رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس بعد أن حرم منها الراحل ياسر عرفات حيث لم يأذن له جيش الاحتلال الصهيوني بدخول بيت لحم وفرض عليه الحصار في مبنى المقاطعة برام الله والتي من مسجدها شاهدنا نقل صلاة عيد الأضحى بحضور أبو مازن وأعضاء في السلطة الفلسطينية وكنا نتمنى أي يأذن قادة العدو الصهيوني لهم بالتوجه إلى المسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين للصلاة فيه ونقل الشعائر منه.

في مطلع عام جديد لا نملك إلا أن نكون متفائلين بغد مشرق وفجر صادق بفضل عزيمة لا تلين وسواعد سمراء وجباه شامخة لا تسجد لغير الله وقامات لا تنحني لعدو وقلوب رحيمة بالمؤمنين.

مطلع عام جديد والأمل يتجدد والتفاؤل معقود بذكرى انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة عام 1965 لتحرير الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948 وان كانت الشقة قد بعدت والأراضي الفلسطينية كلها قد احتلت والأعداء قد تكالبوا علينا من كل حدب وصوب إلا انه لابد من العزم على تصحيح المسيرة والتمسك بالمبادئ والأهداف التي سعت لتحقيقها الثورة فالأهداف نبيلة ولكن الطريقة كانت في بعضها عقيمة وان تعددت خرائطها.

42 عاما على الانطلاقة تدعونا للدعاء لشهدائنا بالجنة ولجرحانا بالشفاء وللأسرى الأبطال في سجون الجلاد الصهيوني بالحرية بين أحبائهم وأهلهم وان نستلهم من صمودهم قوتنا وان لا نضيع البوصلة وان تبقى البنادق كلها موجه لمن قتل محمد الدرة وأيمن حجو وفارس عودة واحمد ياسين وعبدالعزيز الرنتيسي وكمال عدوان وكمال ناصر وأبو يوسف النجار وأبو علي مصطفى وغسان كنفاني وكل الشهداء.

عام جديد والمشوار جد بعيد والنفق مظلم والطريق شائك والليل حالك لكن متى دام احتلال ولم يندحر استعمار؟ فمن عتمة الدجى يولد الفجر وتشرق الشمس بعد المغيب فإلى ذلك اليوم كل عام وانتم بخير.

musaabueid@hotmail.com