لطالما ترددت عبارة«حرمة» الدم الفلسطيني، على ألسنة قيادات وفصائل ومنظمات فلسطينية. في كل مناسبة يؤكد هؤلاء ويشددون على هذه المسألة؛ باعتبارها «خطاً أحمر». إراقة هذا الدم على أيد فلسطينية كان دوماً من الممنوعات. هكذا قالوا وكرروا وتعهدوا. وكلما وقع احتكاك أو حصلت مواجهات مسلحة بينهم، سارعوا إلى وضع الحادثة في إطار العملية العابرة. أو أنها كانت من فعل عناصر غير منضبطة. ثم ترتفع وتتوالى الأصوات مطالبة ب«ضبط النفس» والتسلح باليقظة لتفويت الفرصة على مريدي الفتنة والإيقاع بين الفلسطينيين. ومن جديد يتكرر التذكير بعدم جواز هدر الدم الفلسطيني والوقوع في فخ الحرب الأهلية القاتلة...إلخ.
كلام سليم، بل هو الصواب في عينه. لكن كم مرة يجب أن يتردد قبل أن يفقد قيمته ومعناه ويصبح مجرداً من أي صدقية! هذا إذا كان قد بقي له صدقية، فالملاحظ أنه بعد كل حادثة دموية بين القوى المتصارعة وما يتبعها من عزف مكرور لهذه النغمة، تأتي المواجهة التي تليها لتكون أوسع وأكبر بعدد الضحايا، وبشحن الأجواء؛ استعداداً لجولة قادمة، ولا مرة كان لهذه الكليشهات فعلها في وقف مسلسل التصفيات بين «فتح» و«حماس» صارت مفردات جوفاء. كما صار تشكيل اللجان وإعلان الهدنات بينهما، أكثر تجويفاً. فهي تنهار قبل أن تبصر النور.
وما إن فاتت إجازة العيد حتى عاد التوتر إلى الساحة. بدأ بالخطف المتبادل وبالجملة. وفور الإفراج عن المخطوفين لعلع الرصاص مرة أخرى فسقط خمسة قتلى من الجانبين. وكالعادة ارتفعت حرارة الوضع، ومعه ارتفع احتمال الانفجار واستطراداً انهيار الهدنة.
ومثل كل مرة ترجع فيها حليمة لعادتها القديمة، سارعوا إلى لعب اسطوانة المعزوفة ذاتها حول «حرمة» التقاتل الأهلي وضرورة تطويق الحادثة «حماية للوحدة الوطنية»، مع التشديد على أهمية الحاجة لاستئناف «الحوار»!
كلام سبق وتردد في مناسبات مؤسفة مماثلة؛ من دون جدوى ولتسويقه أضافوا هذه المرة إليه من القوالب الجاهزة المعروفة، لتخفيف وطأة هذه الدوامة، كالقول بأن هناك «مخططاً لإجهاض التحرك الوطني» و«المشروع الوطني»، بغية «فرض حل على الشعب الفلسطيني» أو جعله فريسة «الإحباط».
القضية الفلسطينية مستهدفة منذ 60 سنة، وليس في الأمر. أي جديد، ثم كم من الوقت يتطلبه هذا المشروع الوطني ليتكلل بالتوافق ويهبط على أرض التنفيذ؟ كيف يمكن أن ينعقد حوار ويستقيم في ظل القطيعة السائدة بين الطرفين: الساحة الفلسطينية بحاجة ماسة إلى المصارحة والمكاشفة، لعبة التشاطر والتذاكي قد تخدم أغراضاً ومصالح ضيقة ولفترة من الوقت. لكنها بالتأكيد لن تخدم المصلحة العليا للشعب الفلسطيني. ولا الأطراف الفلسطينية.
في نهاية المطاف هذه الأخيرة، سترى نفسها منهكة وزائغة من كثرة اللف والدوران حول المطلوب، من دون مواجهته والاتفاق وحده يضمن مصالح القضية وأطرافها وشعبها، على الأقل يضمن تقليص الخسائر، وهو ليس أي شيء آخر غير التحاور والتوافق على برنامج وطني لهذه المرحلة. وإلا فلا خيار غير النزف الذاتي.