مرّة أخرى يفشل الأميركيون حيث ظنّوا أنهم المتفوّقون: الصورة. فشل الأميركيون المحتلّون للعراق، وفي مقدمتهم «بوش»، في تسويق الرّسالة التي أرادوا ونووا تسويقها لنا كعرب وللعالم، فانكشف ضعفهم الحضاري، لأن «السّحر انقلب على السّاحر».
من خلال «التبشير» بأن عملية الاعدام سوف تُنقل عبر الصّورة التلفزية، ظنّ الرئيس الأميركي أنه سيحدث النّكسة في النّفس العربية، فتُصاب هذه النّفس بالرّعاش والخوف والتراجع.. لكن العكس هو الذي يحصل، فقد حوّلت الجماهير العربية مواكب العزاء الى مواكب تهنئة بالشهادة. الرأي العام العربي، يُصاب بقوة خارقة ورغبة جامحة في تحدّي كلّ أشكال الاستعمار والاحتلال، من خلال تلك الثواني التي وقف فيها صدّا متحديا القتلة والعملاء.
وهنا فشل للأميركيين، وتحديدا إدارة بوش، لأنها ظنّت ثانية، أنّ تفوقها التكنولوجي، سوف يؤمّن لها ما لم يقدر على تأمينه الجندي الغازي الذي ولّى مدبرا أمام ضربات المقاومة العراقية.
وهذا الرأي العام الأميركي الذي بدأ تحرّكاته أمس، معلنا لإدارة بوش، بأنّ الحيلة لم تنطل عليه، وأن إعدام صدّام ليس هو الحلّ بل الحلّ في مغادرة القوات العسكرية الأميركية أرض العراق.
لقد فشل «بوش الإبن» ثانية، ومن خلال استعماله لتقنية الصّورة، بعد أن أعطاها صدّام ولآخر رمق في حياته، مضمونا وطنيا وقوميا وإنسانيا، علّقت عليه كبرى الجرائد الأميركية وأكثرها تأثيرا في أميركا «نيويورك تايمز» بأنها كانت صورة لرجل شهم يتحدّى لآخر لحظات حياته أميركا التي تحتلّ بلاده، وقالت في عددها أمس الأول: مات صدّام شامخا.
فشل بوش ثانية، عبر تقنية الصّورة، حين ارتدّت عليه وعلى إدارته مضمون الصّورة، عندما ثبتت مشدوهة أمام عيني زعيم وبطل تحدّى المشنقة وصغّر من حجم الجلاّد.
نعم، هذا هو الفشل الثاني: عملية إعدام صدّام، أمّا الفشل الأوّل فيعود إلى يوم التّاسع من أفريل سنة 2003، حين أراد بوش وطاقمه، أن تعطي الصورة مفعولها في الذّات العراقية والنفس العربية، من أنّ اقتلاع صنم من ساحة الفردوس، هو إيذان بانتهاء صاحبها، على أيدي العراقيين، فإذا بالمضمون يخذل أصحابه مرّة أخرى، حيث اضطرّ «المارينز» إلى التدخّل بلباس «العسكر» الرّسمي، لإزاحة التمثال عبر رافعة أميركية، في حين سارع الجندي الأميركي إلى لفّ وجه تمثال الرّئيس صدّام بالعلم الأميركي، وإذا بالرّسالة تسقط في الماء بعد أن هوت قبل التمثال.
فما وصل للذّات العربية وللبشريّة جمعاء كان رسالة واحدة فقط: الاحتلال الأمريكي تمكّن من العراق، فكان أن سبقت الصّورة قرار مجلس الأمن الذي ينصّ على أن العراق محتلّ من الأميركيين.
هذه المرّة، فشل بوش في تسويق مضمون الصّورة كما يقتضيه هدف الاحتلال، فظهر صدّام متحديا للاحتلال، مستهزئا به كارها له، وتحوّل الرجل الى أسطورة، بعد أن عمل بوش كلّ ما في وسعه، أن تخطف الصورة ولو لقطة واحدة يكون فيها صدّام مرتجفا..
النتيجة: «تناحر» بالكلام بين «زلماي خليل زاده» والمالكي، حول توقيت الإعدام، موحيا على غيرحق، بأن الأميركيين ليسوا هم أصحاب القرار الأول والأخير في كل الشأن العراقي، بما فيها اختيار توقيت أول أيام عيد الاضحى لاغتيال أسير الحرب صدّام حسين.
لقد أراد الرئيس الأميركي أن يحدث تأثير الصّورة في النفس العربية، لتزداد انكسارا وانهيارا، فإذا بالصّورة نفسها تنقلب على صاحبها، فتحشره في الزاوية على أساس أنه بلا مرجعية وبلا قيم.
فشلت الصّورة في مطاوعة بوش مرّة ثانية، فارتدّ السّخط العالمي على ما أسماه أحد الغربيين من الأوروبيين بالهمجية «ما وراء الأطلسي»..
نعم الصّورة خذلت بوش..