الوحش الكامن في الإنسان تجلى بصوره الحقيقية في جنود الاحتلال على مر التاريخ، ومن كان يقرأ تاريخ اسبانيا في أمريكا اللاتينية وآسيا وكيف كان ذبح الشعوب الأصلية للقارتين يتم تحت بركة الصليب، ووليمة للكنيسة الكاثوليكية، يفزع من تلك الصور ،وكذلك المستوطنون البيض في أميركا الشمالية حين جاءوا بعقدة الإنسان المتفوق ليقدم للمقصلة الهنود الحمر والزنوج بأبشع الأشكال المنافية للعرف الإنساني.
وحين وصلت جيوش الغزو الياباني للصين والدول الآسيوية الأخرى جسدت أخلاقية المحارب السيىء السمعة، والتي لا تزال ذيولها موجودة في المناهج المدرسية ليفاخر بها الجيل الراهن بعظمة الأجداد، وهي إدانة لم تستطع إزالتها الحكومات السابقة والراهنة، رغم الاحتلال الأمريكي لها بعد ضربها بالقنابل الذرية بجريمة أخرى كرد مباشر على فعل مجنون في "بيرل هاربر".
التاريخ دان الإنجليز في كل مستعمراتهم وبشاعة احتلالهم، ولا يمكن استثناء فرنسا، وإيطاليا وهولندا، وكل الذين استحمّت نساؤهم بحليب أمهات الأطفال في أفريقيا، وغاص في دماء رجالها كل جنود الرجل الأبيض الأوروبي.
تتكرر الصور الآن في العراق والسودان، وبقاع أخرى تصمت عنها أجهزة حكومية وتتستر على جرائمها، ولعل ما فضحته وسائل الإعلام بالانتهاكات غير المسبوقة في سجن أبو غريب، وإبادة عائلات آمنة في منازلها المتداعية بسبب الفقر، والسجون الطائرة، وغوانتانامو أعطى حقيقة بشاعة الاحتلال حتى أن الاتهامات طالت الجنود الأميركيين بأنهم من أصحاب السوابق والمرتزقة ممن تمنيهم السلطات الأميركية بجوائز الجنسية بعد أداء أعمالهم في العراق، ثم كانت فضيحة اغتصاب القاصرات في جنوب السودان من قبل قوات الأمم المتحدة، وهي سابقة خطيرة حين تكون من تسمي نفسها بحارس الفضيلة والمدافع عنها، يمارس جنودها انتهاكات خطيرة، وربما تذهب بدون حساب.
إسرائيل أكثر الأشكال عنصرية وعنفاً، لأن أفعالها تأتي وصورة النازي، والممارسات الأوروبية لليهود بالنبذ والشتيمة، جاءت لتسترد فواتير مآسيها القديمة من الشعب الفلسطيني، واللبناني.
وحتى نكون منصفين فإن حروب العرب الأهلية، وما حدث لإبادة عائلات بأكملها في الحرب شبه الأهلية بالجزائر، ومن يذبحون على الهوية والمذهب بالعراق، ومعذبو الأرض في لبنان ممن لا تنطفئ نيران الفتنة بينهم، والإبادة التي تحدث في دارفور، هي نفس الحالة لوحشية الإنسان، وتطال السوابق واللواحق حالة الفوضى في أفغانستان، واستهداف الأبرياء في باكستان من قبل أصحاب البراء من فلول القاعدة.
الطريق طويل، والإنسان المتوحش موجود في كل الأزمنة والحضارات.