المدينة الفاضلة التي نحلم بها في عصرنا تقوم على الفرد الصالح. فالفرد الصالح هو أساس المجتمع، ولذلك جاء الأنبياء والفلاسفة يدعون إلى صلاح الفرد، لأنه أساس المدينة الفاضلة، وجماع صلاح الفرد هو صلاح الاعتقاد وصلاح العمل.

تخيل معي أخي القارئ الكريم لو كان كل أفراد المجتمع يلتزمون بما عليهم من واجبات، ويسيرون على القواعد والمبادئ السلوكية المنضبطة، كيف سيكون حال المجتمع وحال الدولة؟ لا شك أنه سوف تكون بحق المدينة الفاضلة!!

فالإنسان الفرد نفسه هو وحده البناء في أي جزء من أجزاء الدولة، سواء كان مسؤولاً في مركز قيادي أو موظفاً في مؤسسة أو وزارة أو عاملاً في مصنع أو شركة. وسواء كان مدرساً أو تلميذاً. سواء كان رجلاً أو امرأة.

لكن ما هي أهم معالم السلوك الفردي الفاضل في المدينة الفاضلة؟

والسؤال الأكثر إلحاحاً: كيف يمكن أن تظهر هذه الأخلاقيات في كل جوانب المجتمع ومؤسسات الدولة، بل في كل جزء من حياة الناس؟

لنبدأ برجل الأعمال، حيث نجد من أسف في المدن غير الفاضلة أن رجل الأعمال لا يفكّر إلا في ذاته، لا يفكر إلا في تحقيق أكبر قدر من الربح، يأخذ ولا يعطي، دائماً يطالب بحقوقه ومتطلباته التجارية، ولا يبذل أدنى جهد للقيام بواجباته!!! تقدم له الدول كل شيء، التسهيلات الجمركية، القوانين الميسّرة للعمل، البنية الأساسية التي يعمل من خلالها، مثل: الطرق، والكهرباء والماء والحماية البنكية وخطوط الهاتف.. إلخ

أما هو «شاه بندر التجار» فلا يقدم للدولة أي شيء، يدعها دون أن يساندها في حل مشاكل الناس، ولا يفعل أي خير اجتماعي، ولا يدعم أي جمعية خيرية، ولا يقوم بأي مشروع يهدف إلى النفع العام، إنه يستأثر بأمواله، ولا يساعد الفقراء والمحتاجين، ولا يساهم في حل مشاكل البطالة بين الخريجين، لا يفكر مثلاً في بناء مستشفى خيري، أو مدرسة مجانية، أو ملجأ يأوي الأيتام!

أما رجل الأعمال في المدينة الفاضلة، فإنه رجل ذكي، يعرف أن الأنانية نظرية قاصرة، وأن مستقبل أعماله مربوط بتقدم المجتمع، وأن عليه دورا وطنيا في تحقيق هذا التقدم، وأن هذا التقدم لن يتحقق إلا بالشراكة مع الحكومة في تحديث المدينة الفاضلة، وإذا كانت دولة المدينة الفاضلة قد قدمت له الكثير، فإن عليه أن يقف بجوارها في خدمة الناس ومشاريع النفع العام، ومواجهة هموم المجتمع.

ومن رجل الأعمال إلى المثقّف في المدينة الفاضلة.. ونقل قليلاً عند طبيعة دوره. إن المثقف في المدينة الفاضلة هو الذي ينزل إلى أرض الواقع لوصفه وتحليله وفهمه، ثم يقوم بالانطلاق من هذا الواقع إلى رؤى إصلاحية لمشكلات المجتمع. كما يقوم بإجراء حوار مع المجتمع، كخطوة مصاحبة للحوار مع المفكرين الآخرين. ويتطلب ذلك منه تدريجياً، أو بين الحين والآخر، من برجه العاجي إلى مستوى الأغلبية من الشعب.

ويوظّف المثقف في المدينة الفاضلة ما لديه من معرفة متخصصة لا فقط في خدمة المجتمع، ولكن في الربط بينها وبين جوانب الحياة الأخرى، بحيث تتكون لديه نظرة كلية أو «مشروع فكري» متكامل لإصلاح الوطن، بصرف النظر عن اتفاق الآخرين أو رفضهم له.

ويقوم بدعم الأصالة في مواجهة التغريب، وتأييد الديمقراطية في مواجهة الاستبداد، والدعوة إلى التنمية في مواجهة التخلّف، والدفاع عن الوحدة في مواجهة التجزئة والتفرقة، والمناداة بالعدالة الاجتماعية في مواجهة لاستغلال، ودعم الاستقلال في مواجهة الهيمنة الأجنبية والصهيونية.

إن سكان ورعايا المدينة الفاضلة يريدون اجابات وحلولا عملية لمشكلاتهم في إدارة المجتمع والوفاء باحتياجاتهم، وأنه مهما كان اتساع ثقافة المجتمع، إلا أنه في نهاية اليوم يريد أن يكون قد تعامل مع مشكلات هذا اليوم لينام آمناً. من هنا يقوم المثقف بممارسة استراتيجية «الأجل القصير» دون ان يتخلى بالضرورة عن استراتيجية «الأجل الطويل»، وان يمارس استراتيجية «احترام الجزئيات» دون ان يتنازل عن ضرورة النظرة الشاملة أو المشروع الحضاري المتكامل. ولننتقل نقلة أخرى في المدينة الفاضلة، ننتقل إلى الوزراء الذين لنا معهم أكثر من وقفه، لكن نكتفي هنا بسلوكهم كأفراد.

أما السياسات فموضعها مقالات أخرى ان شاء الله تعالى، فالوزير الذي لا يهتم إلا بتحقيق مصالحه إنما هو وزير لا مكان له في المدينة الفاضلة، لان المدينة الفاضلة لديها وزراء يخدمون الناس ومصالحهم، ويتجاوزون معهم ويفتحون أبوابهم لسائر المواطنين.. الضعيف قبل القوي، والفقير مثل الغني، ومكاتبهم ليست قلاعاً محصنة لا يستطيع ان يعبر أبوابها عامة المواطنون الذين يريدون حل مشاكلهم، انهم يدافعون عن المظلومين، ويبذلون قصارى جهدهم من أجل تحسين الخدمات داخل الدولة الفاضلة، انهم يعتبرون أنفسهم من الناس والى الناس، وليسوا من جنس آخر راق ومترفع!!

ان الوزير في المدينة الفاضلة يعتبر نفسه جندياً في خدمة الدولة ومساندتها، فالوزير هو المؤازر، لأنه يؤازر ـ أي يساند الدولة ـ والمساندة هي بذل قصارى جهده من أجل تحقيق مشاريع الاصلاح، وتحقيق برامج التنمية. وذلك في مقابل الوزير في المدينة غير الفاضلة، الذي يظن أن مساندة الدولة تعني النفاق والرياء ومعسول الكلام والسكوت عن الخطأ والمجاملات!

إن مؤازرة الدولة ليس معناها المساندة بالحق والباطل، ولكن معناها دعمها في الحق، وردها عن الباطل، لأن المؤازرة الحقيقية للدولة الفاضلة هي مؤازرة المجتمع.. مؤازرة الناس، مؤازرة المواطن.. مؤازرة رجل الشارع.. حل المشاكل.. رفع المظالم.. تحقيق الرفاهية.. تحسين الخدمات الحكومية.. القول الصادق.. العمل المتفاني.. الابتعاد عن المصالح الخاصة!

لكن العبء كله لا يقع على الوزراء، بل هناك أعباء على سائر الموظفين في كل الوزارات والأجهزة التابعة للمؤسسات الحكومية..

تخيّل معي مرة أخرى لو قام كل طرف من هؤلاء بدوره وحققت كل هذه المهام.. إذاً ماذا سوف يكون عليه حال مجتمعنا؟

لا شك لو تحقق هذا سوف يكون المجتمع على أعتاب المدينة الفاضلة، ولا نقول في قلب المدينة الفاضلة، لأن هناك أدوارا لأفراد ومواطنين آخرين لم تتسع هذه المقالة للحديث عنهم، ودورهم لا يقل من الأهمية عن دور الذين تحدثنا عنهم، وسوف نتوقف عندهم في موضع آخر إن شاء الله تعالى.

جامعة الإمارات