تحذير رئيس الحكومة اللبنانية، فؤاد السنيورة، بخصوص خطورة الوضع الاقتصادي، يلامس الإنذار باحتمال اقتراب الوضع من الانهيار. أرقام المديونية بلغت 5 ,41 مليار دولار بنهاية العام الماضي. النسبة تعادل 180% من حجم الناتج المحلي الإجمالي. وهي حدود لا يقوى أي بلد على احتمالها. لذلك هو قرع ناقوس «الخطر الشديد»، وبالتالي الحاجة الأشد لعقد مؤتمر «باريس 3» في 25 الجاري من أجل إنقاذ الاقتصاد اللبناني، وذلك على قاعدة برنامج اقتصادي يجري التوافق حوله. لكن هذا التوافق مرهون بإيجاد تسوية للأزمة السياسية المستحكمة.
وهذه الأخيرة عادت كباقي أزمات المنطقة، إلى الالتهاب، بعد مرور الأعياد. البلد يتعمق انقسامه، والقطيعة تامة بين الفرقاء. بل ثمة حديث عن خطط تصعيدية، ناهيك عن اشتعال حروب التراشق بالاتهامات من جديد، وربما بنبرة أقسى ولغة أكثر حدّة.
في الوقت ذاته نشطت من جديد المحاولات والاتصالات والمساعي لتبريد الأجواء، تمهيداً لإنعاش المبادرات التي طرحت، وبالتحديد مبادرة الجامعة العربية، التي تركها الأمين العام عمرو موسى، كوديعة لدى الأطراف لدراستها أثناء الإجازة. يومذاك، أواخر 2006، وعد موسى بالعودة إلى بيروت لاستطلاع الردود واستئناف التحرك، من بعد ذلك. حسب التقارير والمعلومات المتداولة لم يصله ما يبرر عودته. لكن المطالبات بعودته بدأت تتوالى.
المتوقع انه عائد، لكن عودته وحدها لا تكفل الحلحلة، الجانب العربي انخرط في أزمة لبنان بدور وازن. لكن في نهاية المطاف المفتاح بيد اللبنانيين. طبعاً الوساطة العربية مطلوب استئنافها وتنشيطها بل تفعيلها، من خلال توظيف كل أوراقها، فالوضع في لبنان بات يقترب وبخطى سريعة نحو أكثر من خط أحمر. حتى اللحظة ما زالت الفرصة متاحة للتحرك بغية جسر الهوّة بين أطراف الأزمة. وطالما هي متاحة لابدّ من متابعة هذا الدور.
البديل قد يقفل كل الأبواب ويفتح الساحة على كل المحاذير. وهذا بالتأكيد لا يخدم مصالح لبنان واللبنانيين، كما انه يضيف من هموم وأوجاع الساحة العربية المنهكة بالجروح المفتوحة.
اللبنانيون يقولون ذلك ويعرفونه، ومن هنا مسؤولية كل الأطراف، ليس فقط لأن «باريس 3» والتقويم الاقتصادي ـ ولو المؤقت ـ على الأبواب، بل أيضاً لأن تفويت الفرص والإطاحة بالمبادرات، القليلة بكل حال، يؤدي إلى وضع المشكلة في الطريق المسدود، مع كل ما ينطوي عليه الانسداد من احتقان ومخاطر خروج الأمور عن السيطرة، لاسيما وأن المناخات السائدة في المنطقة تساعد على سرعة اشتعال الخلافات والأزمات وعلى تأجيجها، الأمل أن تساعد.
في المقابل، الأطراف اللبنانية على فرملة الاندفاع نحو الهاوية وترجيح كفة التلاقي والتقارب، وهي التي كابدت وذاقت مرارة الوصول إلى الطريق المسدود والكلفة الباهظة المترتبة على ذلك، وعسى أن يعمل اللبنانيون بالقول المأثور: «إن المؤمن لا يُلدغ من جحر مرتين».