من يطالع الكثير من الأحاديث الرسمية والشعبية العراقية التي سبقت إعدام الرئيس صدام حسين يصل إلى اقتناع جازم بأن شنقه استهدف تحصيل غايتين رئيسيتين، الأولى هي جذب جناح من حزب البعث المنحل إلى العملية السياسية القائمة تحت سمع وبصر الاحتلال الأميركي وبمباركته وتوجيهه.

والثاني هو تهدئة خواطر قطاعات من العراقيين ناصبت صدام العداء، وانطوت جوانحها على حقد دفين عليه، ورغبة عارمة في الانتقام منه لأفعاله المشينة بحقهم، وفي الوقت نفسه تدشين علامة على انطواء صفحة من تاريخ العراق، وبداية عهد جديد، تنتهي فيه «الصدامية» ورواسبها إلى الأبد.

وهاتان الغايتان تنبئان في حد ذاتهما بأن الولايات المتحدة الأميركية تمهد لترتيب أوضاع ما بعد انسحابها مهزومة من أرض الرافدين، وهي نهاية ما كانت واشنطن تعتقد في أنها ستأتي بهذه السرعة، وكان من الطبيعي أن تنصاع لها الإدارة الأميركية مبكرا لو أنها كانت تقيس احتلالها للعراق بمقاييس المكسب والخسارة، وتزنه بميزان السياسة ومتطلباتها، وليس بمعايير الأيديولوجيا الدينية الجامدة، والدوران في فلك المقولات والتصورات والاعتقادات الجاهزة والنمطية عن الدور الرسالي التبشيري لليمين المسيحي الأميركي المتطرف.

وحين كانت الإدارة الأميركية تصر على البقاء في العراق إلى زمن غير محدد، كانت تستخدم محاكمة صدام لأغراض سياسية بحتة، لم تخف على كل ذي عين بصيرة وعقل فهيم، فتارة يظهر صدام حبيسا في قفص الاتهام للتعمية على فظائع ارتكبها الجيش الأميركي داخل العراق.

أو لمساعدة الحكومة العراقية الموالية لواشنطن، وتارة أخرى تستخدم المحاكمة لتزييف وعي الرأي العام الأميركي، حتى يرضي، أو على الأقل يغض الطرف، عن سياسة بوش في العراق. وآخر تلك الاستخدامات كان قبيل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس التي جرت مطلع شهر نوفمبر من العام الماضي، وكانت أقواها، حيث حكم على صدام بالإعدام شنقا.

ولأن الورقة الأخيرة هذه لم تنجح، إذ خسر المحافظون العديد من مقاعد الكونجرس لحساب منافسيهم التقليديين «الديمقراطيون»، ولأن تقرير بيكر ـ هاملتون الذي أعد حول العراق كان كاشفا لعوار السياسة الأميركية هناك، حاملا بين سطوره مضامين يمكن استنباطها حول استحالة استمرار الاحتلال الأميركي لهذا البلد العربي العريق مع اشتداد ساعد المقاومة وتناميها، لم يعد أمام الإدارة الأميركية بد من الاعتماد على الحكومة العراقية كي تساهم بقوة في العبء الأمني المتزايد والمتفاقم.

وفتح الطريق لخيار مر، طالما حاول الأميركيون تجنبه وعاندوا طويلا كي لا يلجأوا إليه، وهو التحاور مع جناح من المقاومة، والسماح للبعثيين الذين «لم تلوث أياديهم بالدماء» بالمشاركة في الحياة السياسية العراقية الجديدة، وهو أمر من الصعب أن يتم ـ حسب الرؤية الأميركية ـ وصدام على قيد الحياة، لاسيما بعد أن رفض الأخير العروض التي قدمت له بالعفو عنه والسماح له بالعيش في أي بلد يختاره، مقابل أن يوجه نداء إلى البعثيين بإلقاء السلاح، والدخول في غمار العملية السياسية.

إن الأميركيين هم من أسقطوا صدام وأنهوا بقوة السلاح حكمه المديد للعراق، وهم من قبضوا عليه وسجنوه، وهم كذلك من فتحوا الطريق لمحاكمته العلنية التي تابعها العالم أجمع، ووظفوا كل مرة ظهر فيها صدام من أجل خدمة مصالحهم الاستراتيجية في العراق، وهم كذلك من أعدموه، فالحكومة العراقية نفسها هي التي أعلنت أن موعد تنفيذ الحكم تم تحديده باتفاق أميركي ـ عراقي.

وقد تكشف في الساعات التي أعقبت التنفيذ أن موعد الشنق ومكان الدفن وطريقته قد تمت بتعليمات بوش ومتابعة إدارته. وهذا كله يؤشر على أن الولايات المتحدة لم تعد تجد فائدة لبقاء صدام حيا، وفي الوقت نفسه لا يمكنها الانسحاب من العراق وترك البعثيين ظافرين بقائدهم، حالمين معه باستعادة حكمهم الضائع، وسلطتهم المستباحة.

لقد أنهت واشنطن حياة صدام بعد أن تحولت هي في العراق إلى «صدام جديد» عبر استخدام الإكراه والقهر المادي والمعنوي في أقصى وأقسى صوره لإجبار العراقيين على قبول الاحتلال، وفي محاولة يائسة لتحقيق أي جزء من أهدافها التي تبددت تباعا، لكنها من حيث لا تدري دقت المسمار الأخير في نعش سياستها بالعراق، فكل المؤشرات تنبئ بتزايد العنف، وصعوبة تجميع الدولة العراقية التي تفككت أوصالها، وإعادة الطائفية البغيضة إلى القمقم، وبناء عراق ديمقراطي مزدهر.

مدير مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط ـ القاهرة