يعتبر أحمد البشر الرومي أحد أبرز مثقفي الكويت ومتنوريها في الشطر الأكبر من القرن الماضي، إذ ولد في العام 1905 وتوفي في العام 1982. والبشر من القلة الذين كتبوا مذكراتهم، بل إنه وضع مذكرات شبه يومية تبتدئ غير منتظمة من 20 سبتمبر 1939. وفي تلك المذكرات يجد المتابع الكثير من المعلومات المحلية عن الكويت فضلاً عن تطور القضية الفلسطينية - التي كان يتابعها البشر شأن غيره من أبناء جلدته - ثم أيضاً تسجيلاً لرحلاته المختلفة. وثقافة البشر تكونت
- كما يذهب الدكتور يعقوب الغنيم الذي حقق تلك المذكرات وأصدرها على شكل كتاب في العام 1997 - من رافدين: تجارب الحياة، ومن القراءة التي كان شغوفا بها، حيث كان يقرأ «في كل فن وعلم من علم الفلك إلى علم الحشرات». وعمل البشر مدرساً في المدرسة الشرقية ابتداءً من سبتمبر من العام 1939، كما انه انتخب في مجلس المعارف في العام 1952، ومن المعلوم أن هذا المجلس قد أنشئ في العام 1936 ، وكان انتخاب أعضائه يجري كل سنتين.
قام البشر بزيارتين للإمارات بوصفه عضواً في مجلس المعارف، الأولى في 15/3/1953 والثانية في 25/12/1953، بيد أن علاقته بأهل الإمارات تسبق تلك السنة. ففي أحداث يوم 14 نوفمبر 1946 يكتب البشر ما يلي: أرسلت بواسطة البريد ديوان الرصافي للشيخ صقر القاسمي حاكم الشارقة، وديوان الزهاوي لعبد الله بن محمود في الشارقة.
وبعثت لكل منهما كتاباً. والبشر لا يبين لنا كيف قامت تلك العلاقة الشخصية، وقد فات ذلك المحقق الغنيم أيضاً. وربما ترجع تلك العلاقة إلى إبريل من نفس السنة، حيث توقفت الباخرة التي كانت تقل البشر في عودتها من بومبي إلى الكويت، توقفت في الشارقة.
وكان مجلس المعارف قد كلف كلاً من مدير المعارف وأحد أعضائه وهو البشر بزيارة «إمارات الساحل» - كما كانت تسمى دولة الإمارات آنئذ - لوضع تقرير عن حالة التعليم فيها. ولا بد من الإشارة في هذا السياق الى أن المجالس في الكويت منذ نشأتها في أوائل الثلاثينيات من القرن الماضي كانت تهيمن على أعضائها التوجهات القومية.
استغرقت الرحلة الأولى ثمانية أيام (من 15 إلى 22 مارس سنة 1953) وشملت إمارات الشارجة (هكذا بالنص) وعجمان ورأس الخيمة ودبي وأم القيوين، كما يقول التقرير، ويضيف: ولم نتمكن من زيارة أبوظبي لضيق الوقت وصعوبة المواصلات. وقد كلفنا أحد الكويتيين المقيمين لموافاتنا بالتفصيلات المطلوبة عنها.
وقد جاء في التقرير أن عدد سكان الإمارات الست هو 87 ألفاً بها سبع مدارس وعشرين مدرساً فضلاً عن 820 تلميذاً. ومن الملاحظ أن إمارة دبي تمثل الثقل السكاني والتعليمي، إذ يشير التقرير إلى أن عدد سكانها 50 ألفاً وعدد مدارسها ثلاثاً تضم 13 مدرساً ونحو 500 تلميذاً. ويلاحظ التقرير في فقرته (د) أن استعداد التلاميذ العقلي جيد، وذكاءهم الفطري واضح، ورغبتهم في المزيد من التعليم بينة.
كما إنه يشير في الفقرة (ه) إلى أن جميع المدارس المذكورة على نفقة حضرات شيوخ الإمارات، ويعتبر هذا تطوراً طيباً في اتجاه التعليم هناك ـ كما يشير التقريرـ ويضيف واضعوه قائلين: وقد أحسسنا من حضرات الحكام رغبة طيبة في نشر التعليم والتعاون على تعميمه وإصلاحه. ولا ينسى التقرير الإشارة إلى تعليم البنات فيذكر بأنه ( ليس في الإمارات مدارس لتعليم البنات، وإن كانت فيها كتاتيب لتحفيظهن القرآن، وبمدرسة الشارجة (هكذا بالنص) للبنين فصل لتعليم البنات الصغيرات).
ويشيد البشر بمذكراته عن الحفاوة التي استقبل بها الوفد من شيوخ الإمارات وأهلها، حيث حلوا ضيوفاً في المرتين على الشيخ صقر القاسمي، رحمه الله. ويصف البشر كرم الضيافة عند أهل الإمارات بقوله: وإن من أشق الأمور هنا ـ وخصوصاً علينا ـ التخلص من دعوات القهوة من وجهاء البلدة.
وعندهم أن عدم الاستجابة لمثل هذه الدعوة أمر ليس بالسهل. والمشكلة أن تكون هذه الدعوات في بعض الأحيان بعد الغداء مباشرة ويطلب منك أن تأكل من الحلوى الشيء الكثير. ولم يلاحظ البشر شيوع شرب الشاي هناك، فمنذ أن فارق الكويت إلى اليوم هذا لم أذق ولا كأساً واحدة من الشاي.!! ومن مشاهداته أنه رغم أن البيوت متواضعة، إلا أن أكثرها عليها (أريل أو هوائي) مما يدل على أن أصحابها يمتلكون الراديوهات.
وقد أعجب البشر بدبي التي يصفها بأنها أوسع مدن الساحل تجارة، ومنظر خورها من أبدع المناظر فترى المدينة وكأنها على بحيرة وتخترقها الزوارق والسفن ذهاباً وإياباً. وكان الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم - رحمه الله - قد دعا الوفد إلى حفل غداء. يقول البشر: ثم ذهبنا إلى قصر الشيخ راشد وكان في القاعة مسجل سجل عليه بعض القصائد العربية وبعض القصائد باللهجة العامية بلحن عجيب وصوت جميل.
ثم أقبل الشيخ راشد وكان متواضعاً دمث الأخلاق، وبعد الحديث قدم الطعام، ثم بعد أن انتهينا من الطعام رجعنا إلى المجلس نتحدث إلى صلاة العصر، وبعد ذلك ذهبنا إلى المدرسة الأحمدية وهناك لقينا كثيراً من علية القوم رحبوا بنا أجمل ترحيب ثم اجتمعنا بمعلمي المدرسة وناظرها وبقية معلمي المدارس الأخرى.
وقد اصطحب الوفد في الرحلة التالية التي ابتدأت في 25/12/1953 واستمرت قرابة العشرة أيام أستاذين مصريين معهم هما مصطفى طه وزوجته وأطفاله وأستاذا آخر اسمه أحمد قاسم. وقد باشر هذان العمل في مدرسة الشارقة. وكانت مشكلة الأستاذين هي السكن حيث بنيت على عجل، غرفة لكل واحد منهما، كانتا ملحقتين بالمدرسة. يكتب البشر في ذكريات يوم الخميس 31/12/1953 ما يلي:
بمناسبة انتقال الأستاذ مصطفى طه وزميله إلى البيت المعد لهما فقد تبرع الشيخ صقر لناظر المدرسة براديو، كما وعد بأن يمد الكهرباء من بيته إلى المدرسة. ويواصل البشر مضيفاً: وقد سمعت الشيخ يأمر إبراهيم المدفع بأن يعين خادمة للأستاذ مصطفى يوسف طه. وأصبح الأستاذ مصطفى مديراً لمدرسة الشارقة، واستمر الأستاذ عبد الله بن صالح المطوع مديراً مالياً لها.
وتبقى مذكرات أحمد البشر الرومي سجلاً حافلاً لأحداث اجتماعية وثقافية كثيرة، وقد بز البشر أقرانه من متنوري المنطقة ورجالاتها الذين رحلوا دون أن يتركوا لنا مذكراتهم الشخصية، فذهبت معهم تفاصيل كثيرة وحية لتطور الوعي الثقافي والاجتماعي وبناء مؤسسات الدولة الحديثة.
alyusefi@hotmail.com
كاتب كويتي