يكاد ان لا يختلف اثنان على الحال المحزنة بل البائسة التي وصل اليها العرب وهم يعبرون الى العام الجديد، بلا عمل مشترك حقيقي وبلا خطوات جادة لتجاوز حال الضعف وتراجع النفوذ والادوار حتى في القضايا التي تخصهم مباشرة، وتخص أمنهم القومي كما مصالح شعوبهم المشتركة سواء في ما يتعلق بالتجارة ام الاستثمار أم الاقتصاد أم العمالة أم التنقل بين الحدود وملفات عديدة اخرى .
لا حاجة للتذكير بما آل اليه المشهد العربي العام مع انقضاء العام المنصرم وما باتت تفرضه الضرورات من اهمية ماسة لاطلاق مبادرة عربية ذات مضامين جادة وحقيقية وبآليات ومقاربات قابلة للتحقق والتجسد على ارض الواقع بعيدا عن احتكار القومية او الوطنية وبعيدا جدا عن الانانية والقطرية والوهم بأن هذا القطر العربي او ذاك في منأى عن تداعيات الحرائق التي تشتعل في اكثر من ساحة عربية وتطال أكلافها الجميع..
ولا حاجة لاعلاء الصوت أو اثارة الفزع في «ساحات» الوطن العربي المتعددة بعد ان تراجع التشاور والتنسيق بين العرب الى ما هو دون الحد الادنى وبعد ان تكرس الحضور «الاجنبي» المتعدد الأوجه والغايات في دنيا العرب على نحو غدا فيه العرب يتلقون الاوامر ويقتلهم الانتظار وتحصدهم «مفاجآت الغير» التي تتوالى في غير توقع أو احتمال بل في قسوة وتكبر واستهتار بمصالح العرب وبأدوارهم وبنفوذهم واحيانا - وتقول هذا من أسف - في النظر اليهم بدونية وعدم احترام..
الفرصة لم تفت امام العرب للخروج من الحال الصعبة الراهنة التي تنذر اذا ما استمر ايقاعها واضرارها ومناخاتها بايقاع كارثة حقيقية في كل اقطار العرب بعيدهم والقريب من يستشعر امنا «وهو واهم» ومن يعيش في قلب النار وتحت وقع المدافع والقصف والاغتيالات والاحتلال والغارات والموت المتنقل الذي يحصد المزيد من الارواح والجثث مجهولة الهوية ولنا في فلسطين والعراق ولبنان والصومال والسودان العبرة والمثال والدليل الساطع على ان غير العرب في مجمل الاوقات هم الذين يقررون وهم الذين يعتدون وهم اصحاب المصالح الاستراتيجية بعيدة المدى في ابقاء هذه الامة دولا وشعوبا اسيرة الضعف والاستكانة والانكسارات والهزائم..
الفرصة لم تفت امام العرب للخروج من حال التخلف والخضوع للافكار المتطرفة التكفيرية كما الارهابية وتلك المتساوقة مع المخططات الاجنبية والمرتهنة لمصالحه واحتكاراته واجنداته المختلفة وايضا للخروج من حال الاستبداد وانعدام الحريات والدخول في فضاء الديمقراطية والتعددية واحترام حقوق الانسان والتنمية الحقيقية التي تعني شمول كل المواطنين في توزيع عادل للثروات وتوفير فرص العمل وتشجيع الاستثمار الذي يعود بالفائدة على الاقتصاد الوطني وليس لفئة او جماعة بعينها..
الفرصة لم تستنفد بعد للابقاء على حد ادنى من التشاور والتنسيق واعادة الاعتبار لمفاهيم تهم كل الشعوب العربية سواء في الحلم بالوحدة او الاتحاد وفي زوال «الحدود» التي باتت تشكل اسيجة وجدارات عالية تحول دون انتقال الايدي العاملة والاموال وتمتين العلاقات الاخوية بين الشعوب على غرار ما يحدث بين كل دول العالم ليس فقط الاوروبية بل نرى تجلياتها في اميركا اللاتينية ودول الاسيان..
الوقت قد حان فعلا لأن يوقف العرب هذا النزيف الدموي المتواصل في فلسطين والعراق ولبنان والصومال والسودان وان يرتقوا الى مستوى المسؤولية التاريخية التي تحتم عليهم ان يدافعوا عن مصالح هذه الامة وان يوقفوا عملية «اخراجها» من التاريخ التي يواصل الاعداء على اختلاف جنسياتهم وهوياتهم الدفع بها بلا كلل او ملل..