يعلق الأميركيون والملايين في الخارج الذين يصدرون إلينا ويستوردون منا التقنيات الجديدة الآمال على «الرسو الاقتصادي الهادئ» وهم يعنون بهذا التعبير أن الولايات المتحدة والعالم يحسنان صنعا بتجنب السقوط إلى هاوية الركود بفعل الزيادة التي شهدتها أسعار نفط أوبك.
وهم بهذا التعبير كذلك يشيرون إلى خوف يمكن تفهمه من أن الارتفاع الذي شهدته أسعار الطاقة قد يولد تسارعا سيئا في التضخم على امتداد العالم. وليس من الذكريات السعيدة أن عقد السبعينات من القرن الماضي، الذي خضع لموجتين متتاليتين من صدمات إمدادات النفط والمحاصيل، قد عانى من ظاهرة تزامن الركود والتضخم، حيث شهد تراجع مستويات الإنتاج بالتزامن مع ارتفاع معدلات التضخم.
وفي البداية، ليسمح لي القراء بالإشارة إلى أن معظم الإحصاءات الآن قد بدأت في تجنيد سيناريو «الرسو الاقتصادي الهادئ». وأنا أقصد بذلك ما يتجاوز القول ان انخفاض أسعار النفط من 80 دولاراً إلى حوالي 60 دولاراً للبرميل يبرر الجانب الأعظم من الشعور الحالي بالابتهاج.
نعم ، إن هذا يساعد في الدفع بهذا الاتجاه، ولكن من يدري، فربما في الأسبوع المقبل أو الشهر المقبل قد تعاود أسعار النفط المتقلقلة الارتفاع من جديد. سيكون هذا أمرا مؤسفا. ولكن في اعتقادي أن الهيكل الاقتصادي الأميركي والعالمي يبدو قادرا على أن يتلاءم بمرونة مع مثل هذه الصدمات المستقبلية المحتملة.
وهذا يصل بنا إلى موضوع الفقاعة الأميركية المنفجرة في أسعار العقارات السكنية، في مقاولات البناء، وفي قيم الأرض. وبصفة خاصة في أماكن مثل كاليفورنيا ونيويورك وماساشوستس وفلوريدا فإننا نجد أن البناء الجديد يتعثر وقوائم البيوت غير المباعة لا تزال تتزايد.
غير أنه من الغريب أن دفقات عمليات إشهار الإفلاس وإغلاق أنشطة الأعمال لا تحدث حاليا، ومن المؤكد أنه ستكون هناك خسائر أخرى مستقبلية. ولكن بن برنانكي رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي قام من أجل التوصل إلى منظور كمي مناسب فيما يتعلق بالمستقبل المحتمل بإصدار تقدير قوامه أن نشاط الإسكان سوف يؤدي إلى كبح جماح النمو السنوي في الناتج المحلي الأميركي بنسبة واحد في المئة تقريبا فحسب.
وتعد بورصة وول ستريت مقياسا للآراء المتصادمة للمضاربين ومديري الأموال ومسؤولي الاستثمارات في المصارف والمستثمرين في مين ستريت. وقد ارتفع مؤشر داو جونز الذي تتم متابعته عن كثب مؤخرا إلى ما يتجاوز ذرى أرقامه القياسية السابقة. والأكثر أهمية في تفسير هذا من فقاعة المضاربين هو التيار المواتي في مجال أرباح الشركات الأميركية.
ولست أرى احتمالا لقيام الاحتياطي الفيدرالي الأميركي على امتداد العام المقبل بالحفاظ على درجته الراهنة من التحفظ والصرامة بالنسبة للائتمان. غير أنه إذا بدأت الأسعار الاستهلاكية الأساسية في التسارع وفي الوقت نفسه غدا النمو في إجمالي الناتج المحلي أكثر قوة بصورة مادية ملموسة، فإن الاحتياطي الفيدرالي قد يبدأ عندئذ في إعلان زيادات جديدة دورية بمعدل ربع في المئة لأسعار فائدته الرسمية.
ألن يؤدي هذا التحديد في التدقيق من جانب البنك المركزي بصورة حتمية إلى جعل عام 2007 عاما للركود الاقتصادي في أميركا؟ كلا، هذا هو ما أعتقده. إن الوقوف في وجه رياح التضخم الجوهري المتسارع هو الوصفة التي يصفها الأطباء الاقتصاديون عندما يتجاوز الإنفاق النشط المستوى الذي يتوافق مع التضخم المعتدل وحده، وكبح جماح التضخم المتسارع لا يحتاج إلا إلى منع الزيادات التي لا يمكن الحفاظ عليها في الإنتاج، وما من داع لأن يتسبب في ركود مباشر وصريح.
بعد أن أقوم بإلقاء محاضرة عامة عن الاقتصاد الكلي الراهن، فإن المشاركين في النقاش في صفوف الجمهور يقومون بصورة متزايدة بطرح سؤال جديد على بروفسور صامويلسون، لا بد أنك تدرك أن من رشحوا أنفسهم لانتخابات التجديد في الكونغرس قد استبد بهم الخوف من أن مجلسا في الكونغرس أو المجلسين كليهما بسبيلهما إلى الانتقال إلى أغلبية ديمقراطية .
وأيا كان السبب في مثل هذا الانتقال سواء أكان افتقار الاحتلال الأميركي للعراق الشعبية أو فضائح الفساد في المعسكر الجمهوري، ألا تشكل عودة الحزب الديمقراطي إلى السلطة أيديولوجية معارضة لنشاط الأعمال؟
أليس هذا سبباً للتخوف من سياسات ضريبية مستقبلية سلبية بالنسبة لنشاط الأعمال من شأنها تقليل سرعة القاطرة الأميركية وبالتالي تعريض التقدم العالمي للخطر في الفترة من 2007 إلى 2010؟إن هذا السؤال الخطير يحتاج إلى رد مفعم بالتفاؤل. وبعد الكثير من إمعان النظر في الأمر، فإنني أطرح هنا تصوراتي لهذا الموضوع.
بغض النظر عما وصلت إليه نتائج انتخابات الكونغرس، فإن النتيجة بالنسبة لعامي 2007 و2008 في أسوأ الأحوال ستكون فترة من الجمود السياسي. وفي إطار أي تحليل فإن الجمود من جانب الكونغرس أو التحرك المحدود لن يؤدي إلى برامج مالية أفضل مما أتيح لنا في مرحلة جورج بوش بين عامي 2001 و2006.
إن التخفيضات الضريبية التي قدمها بوش للأثرياء، والمتمثلة في معدلات الضرائب العقارية المنخفضة والثغرات التي أحدثها أعضاء جماعات الضغط في القوانين الضريبية ليست لها علاقة سببية أصيلة بالتصاعد في السنوات 1995ـ 2006 في إجمالي الإنتاجية الأميركية، بل الأمر على العكس من ذلك فعمليات التردي في إدارة الشركات سمحت لدخول المديرين التنفيذيين بالوصول إلى حد من الزيادة يبلغ مستوى الانفجار، ولكنها لم تسفر عن اجتذاب كفاءات تقنية جديدة.
وهي إن كانت قد أدت إلى أي شيء فإنها أسفرت عن تحفيز المديرين التنفيذيين ذوي الرواتب المبالغ فيها لاستخدام أساليب الخداع والمحاسبية التي تؤدي إلى رفع أسعار أسهمهم لفترة مؤقتة فحسب يمكن خلالها تسييل الخيارات المتاحة لهم من الأسهم المخصصة للمسؤولين التنفيذيين وتحويلها إلى نقود يظفرون بها. وقد تعرض للضرر كل من حملة أسهم شركاتنا الكبرى وجمهور العاملين الذين تعتمد أجورهم على التجديدات الأصيلة في الإنتاجية وذلك بفعل سياسات بوش وتشيني الضريبية، بأكثر مما ساعدتهم هذه السياسات.
إنني لا أخلص إلى هذا من تصوراتي الأيديولوجية التي تتبنى موقفاً نقدياً من الظلم الذي يجري توسيع نطاقه، وإنما ما أطرحه في هذا الصدد يعكس دروساً مستفادة من التاريخ الاقتصادي التحليلي للسنوات الممتدة من 1950 إلى 2006.
إن المصرفيين الاستثماريين والناشطين في وول ستريت يعدون مصدرا للتقدم العالمي التجديدي بدرجة أقل من الأهمية التي تتمتع بها مختبرات الجامعات وفصولها الدراسية ومنظمات البحث العامة بحسبانها مصدرا لهذا التقدم.
وعندما أخضعت شخصيا لهامش ضريبي يبلغ 90% عملت بجد أو بقدر أكبر من الجدية مما عملت به عندما انخفض هذا الهامش (في حالتي) إلى 35%. ومن شأن هامش يصل إلى 92% أن يكون أكثر ارتفاعاً مما ينبغي وكذلك فإن 17% سيكون أقل مما ينبغي في قرن ستزداد فيه الاحتياجات العامة التي لا تتم تلبيتها. ستكون العودة إلى ديمقراطية أميركية قائمة على الحزبين أكثر اتساما بالتوازن أمرا مفيدا للولايات المتحدة وكذلك للاستقرار العالمي.
خدمة «لوس أنجلوس تايمز» خاص لـ «البيان»