يعتبر الإسلام السياسي أهم الظواهر الجديدة في الحياة العربية، حيث جاء تبلور تلك الظاهرة خلال العقدين الأخيرين من القرن الماضي. ويمكن القول إن هزيمة العرب أمام إسرائيل في العام 1967 كانت البداية الحقيقية لتوجه الجماهير العربية نحو الإسلام السياسي، وبعيدا عن الفكر القومي ونظم الحكم العلمانية التي فشلت في مواجهة العدو الصهيوني.
إلا أن الظروف التي تلت الهزيمة لم تكن كافية بحد ذاتها لقيام تنظيمات سياسية تسعى للسيطرة على الحكم وإقامة نظم سياسية بديلة تحكم باسم الدين. لكن عجز الحكومات العربية عن التعامل مع تبعات الهزيمة، وفشلها في تفسير أسباب الهزيمة ورسم خطة علمية مقنعة لتجاوزها، فتح المجال لبروز نشاطات فكرية وتنظيمات عقائدية بديلة.
رغم ذلك لم تستطع التنظيمات الدينية حشد الجماهير العربية وتأطيرها بشكل يمكنها من طرح نفسها بديلا حقيقيا للنظم الحاكمة، يتمتع بالمصداقية وفي مقدوره التعامل بفاعلية مع الواقع المتردي، أو التصدي للعدوان الصهيوني، أو حتى تجاوز الهزيمة وتبعاتها.
وبعد مرور حوالي أربعين سنة على الهزيمة لا يزال الإسلام السياسي، شأنه في ذلك شأن أنظمة الحكم العربية، عاجزا عن طرح برنامج عمل سياسي، أو اجتماعي أو ثقافي لتجاوز أزمة الحكم والأمة، وذلك فيما عدا رفع شعارات لا تسمن ولا تغني من جوع. وفي الواقع، جاء نمو الإسلام السياسي متزامنا مع زيادة حدة المشاكل السياسية والاجتماعية والأخلاقية التي يعاني منها الواقع العربي عامة.
وتصاعد نفوذ القوى الأجنبية في البلاد العربية. كما شهدت تلك الفترة أيضا اتساع فجوة الدخل والثقافة بين الأغنياء والفقراء من الأفراد والجماعات والدول، ونجاح أعداء الأمة العربية من اليهود والأميركيين في احتلال المزيد من أراضيها وإلحاق المزيد من الذل والمهانة بحكامها وشعوبها.
إن حدوث هذه التطورات السلبية لا يعود لنشاطات الإسلام السياسي وحده، ولا تتحمل أنظمة الحكم العربية مسؤوليته كاملة، ولا يعكس تآمرا أميركيا وأطماعا غربية فقط. إن الأسباب الرئيسية للهزيمة العربية بأبعادها الشمولية تكمن في بنية الثقافة العربية، وفي طريقة تفكير النخبة السياسية الحاكمة، وفي أساليب ممارسة الحكم الاستبدادية، وفي تخيلات تنظيمات سياسية وقيادات ثقافية تؤمن بحتمية عودة التاريخ إلى الوراء في زمن لا يعرف غير التطور نحو الأمام.
ويشير التاريخ في هذا الصدد إلى أن الشعوب والأمم والنخب الحاكمة تجد نفسها في أجواء الهزائم الشاملة مضطرة لمواجهة التحديات بفكر جديد وعقلية علمية ومؤسسية وأساليب حكم مبتكرة، أو الهروب الواعي من الواقع خلف أسوار مصطنعة من المقولات الثقافية والدينية والتاريخية، تغيبهم عن العصر في انتظار استعمار جديد يدق بابهم ويستبيح وطنهم ويمرغ بالوحل تراثهم الثقافي والديني، كما يحدث اليوم للأمة العربية.
إن هروب العرب الواعي إلى أحضان تاريخهم ودينهم، كان كافيا بالنسبة لغالبية الجماهير للإحساس بالأمان في انتظار عودة التاريخ إلى سابق عهده ومجده. وهذا قاد العرب عامة إلى التعامل مع واقع الهزيمة من خلال القبول بتبعاتها، وليس من خلال العمل على تجاوزها، مما حال دون تبلور تنظيمات سياسية إسلامية أو غير إسلامية تحمل لواء المقاومة والتغيير.
ولهذا لم يستطع الإسلام السياسي فرض وجوده على الأرض إلا بعد قرار أميركا بمواجهة الاتحاد السوفييتي في أفغانستان، وهو القرار الذي تسبب في تنشيط الإسلام السياسي الأصولي وتسخيره لخدمة المصالح الأميركية في الحرب ضد السوفييت. ومن أجل حشد أكبر عدد ممكن من المتطوعين المسلمين لمحاربة السوفييت، قامت أبواق الدعاية الأميركية وبعض الفقهاء من شيوخ المسلمين المأجورين باتهام الشيوعية بالإلحاد، مما حول محاربة السوفييت في أفغانستان إلى قضية جهادية.
ومهما قيل عن إسهامات المسلمين في تحرير أفغانستان من السيطرة السوفييتية والفكرة الماركسية، فإن النصر ما كان من الممكن أن يحدث لولا قيام أميركا بتجنيد آلاف المتطوعين من المسلمين وتدريبهم وتسليحهم وتمويلهم، وذلك بمساعدة وتواطؤ بعض الدول العربية، ويشير تاريخ تلك الحقبة على سبيل المثال إلى أن الشيخ عمر عبد الرحمن كان من أهم الدعاة لمحاربة السوفييت.
ومن أبرز الناشطين في تجنيد المتطوعين، وفي مقدمة المتعاونين مع أجهزة الاستخبارات الأميركية. إذ تشير الأسرار التي تم الكشف عنها أثناء محاكمته، إلى أنه كان مقربا من وكالة الاستخبارات المركزية (سي أي إيه)، ومكروها من وكالة التحقيقات الفدرالية (اف بي آي)، وذلك لأن الوكالة الأولى اعتبرته أداة مهمة في الحرب ضد السوفييت، بينما اعتبرته الثانية عنصرا إرهابيا يهدد أمن أميركا.
وبعد انتهاء الحرب في أفغانستان شكل المقاتلون المسلمون الذين شاركوا فيها نواة تنظيم القاعدة، وتبلورت فكرة محاربة المحتل السوفييتي والأميركي فيما بعد، كفكرة مركزية تمحورت حولها كل نشاطات القاعدة وتنظيماتها الموزعة على العديد من بقاع العالم.
أما فيما يتعلق بحماس وحزب الله. فإن ميلاد الحركتين جاء أساسا كرد فعل على الأعمال الإسرائيلية وجرائمها ضد الشعبين الفلسطيني واللبناني. إذ جاء ميلاد حماس بتشجيع من حكومة إسرائيل التي أرادت إضعاف منظمة التحرير الفلسطينية كحركة تحرير وطنية، وجاء ميلاد حزب الله كرد فعل على احتلال إسرائيل للأراضي اللبنانية ومن أجل تحريرها من الاحتلال الصهيوني.
ويشير تاريخ حركات التحرر العربية والإسلامية عموما إلى غياب الإسلام السياسي شبه الكامل عن حروب التحرير والاستقلال في القرن العشرين. فمن اندونيسيا وأفغانستان، مرورا بباكستان وإيران، وصولا إلى العراق ومصر وتونس والمغرب، كانت كل القيادات التي حملت لواء التحرير ومحاربة الاستعمار قيادات وطنية ذات ميول علمانية. وكما لم يساهم الإسلام السياسي في حركة التحرير الوطنية، لم يساهم أيضا في حركة التحرر من الظلم الاجتماعي أو الاستبداد السياسي أو التخلف الثقافي والاقتصادي.
وهذا يعني باختصار أن تنشيط الإسلام السياسي جاء إما بقرار أميركي، أو كرد فعل على الجرائم الإسرائيلية والاعتداءات الأميركية على الأراضي والشعوب والحقوق العربية، وأنه تحول مع تصاعد تلك الجرائم والاعتداءات إلى فكرة إيمانية. ولذا لن يتوقف نشاط تلك المنظمات إلا بزوال أسباب قيامها، والذي يعني إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية، ورحيل القوات الأميركية من العراق ومن منطقة الخليج، وتحرر الإنسان العربي من هيمنة السلطة السياسية وكبت الثقافة العربية.
أكاديمي أميركي من أصل عربي