كان يمكن، بل كان من الضروري والمرغوب، أن يدخل الوضع الفلسطيني العام الجديد ببداية أفضل. بداية تنعش محاولات رأب الصدع الداخلي وتكشح عن الساحة بعض غيوم التوتر المقيمة فيها منذ حين. أو على الأقل تحمل بشرى واعدة، في هذا المجال. لكنه، للأسف، اختار العكس.

أجواء التأزيم التي غابت في موسم الأعياد، عادت وبزخم أعلى. وكأنها كانت في إجازة قسرية. فجأة انفجر الموقف، على شكل عمليات خطف متبادل وبالجملة، بين «فتح» و«حماس»؛ في غزّة. وكان من الطبيعي أن تعود الأمور إلى ما كانت عليه؛ من حيث الاستنفار والاستقطاب؛ مع كل ما ينطوي عليه ذلك من احتمالات تصعيد مفتوح على المزيد من العنف. حالة مألوفة، ما لبثت تتجدد بين الحين والآخر.

أو بالأحرى هي دوامة محكومة بإعادة إنتاج نفسها، طالما شروط البديل غير متوفرة. فهذه الأحداث وأمثالها باتت زائراً شبه مقيم في الساحة الفلسطينية. درجة حرارتها تعلو وتهبط، تبعاً لحرارة الأزمة السياسية المستحكمة منذ حوالي سنة، بين الفريقين. كلما تعقدت هذه الأخيرة، انفجر الاحتقان بينهما؛ بصورة من الصور.بدأت منافسة، تحولت إلى صراع ثم إلى حروب اتهامات فاحتكاكات فمواجهات مسلحة.

وفي وجود فوضى السلاح، من الطبيعي أن يستشري العنف ويتحول إلى أداة للتعامل. ومع الانسداد السياسي للأزمة وصلت العلاقة بينهما إلى القطيعة. كل ما قيل عن حكومة الوحدة الوطنية العتيدة وعن الاستعدادات والمحاولات لقيامها. بقي مجرد كلام.

اكتفى كل طرف برمي الملامة والمسؤولية على الآخر وبذلك بقيت الأزمة مكانها. دورة الاحتقان رجعت من جديد إلى عروقها. ومثل كل مرة، كان من الطبيعي أن ينفجر التأزيم بهذه الطريقة أو تلك.

والنتيجة: المزيد من النزف الذاتي وبالتالي المزيد من التشدد والتصعيد، من جانب إسرائيل. وها هو أولمرت يتراجع عن وعوده الأخيرة بخصوص إخلاء سبيل عدد من الأسرى الفلسطينيين. صارت ممارسة معروفة: بقدر ما تتعمق الخلافات الفلسطينية وتتفجر، بقدر ما ترفع إسرائيل من شروطها ومن وتيرة عدوانيتها. فهي قررت مؤخراً العودة إلى سياسة الاغتيالات، كما إلى استئناف التوسع الاستيطاني؛ بإقامة مستوطنة جديدة في الضفة.

الفلسطينيون يشتبكون ويتكبدون الخسائر؛ وإسرائيل تتفرج وتعمل على تأجيج الوضع، لتجني ثماره من غير عناء.المؤلم أن تكون الضحية مشغولة بصراعات بيتها الداخلي وتترك الساحة خالية لمن يحتل هذا البيت، كي يمعن في النهب والعدوان.

والأنكى أن تكون هذه الضحية على إدراك ومعرفة بان جرحها النازف علاجه محلي، وبأنه من المتعذر الوقوف بوجه الاحتلال وممارساته طالما بقي هذا الجرح مفتوحاً؛ ومع ذلك فهي إما غير قادرة وإما غير راغبة في توفير هذا العلاج؛ الذي بات حاجة حيوية لها ولقضيتها.

صراع فتح ـ حماس طوال السنة الماضية كان خسارة صافية. لم ينتج سوى استمرار الحصار وقطع المساعدات وماتسبب به من حالة ضيق خانق؛ طاول الشارع الفلسطيني برمته. كما لم ينتج عنه إلا المزيد من التصدّع الداخلي وبالتالي تسهيل مهمة الاحتلال في تكريس استباحاته وتقويض مقومات أية دولة فلسطينية موعودة. لقد قيل مراراً وتكراراً إن تحصين الوحدة الوطنية هو الرد وإلا فالبديل معروف. وعلى الفلسطينيين أن يختاروا وبسرعة.