أي معنى للكلام في زمن يفرض الصمت؟ وأي محتوى للخطب في زمن يفضل فيه الخشوع؟ وأي عبرة من الدهر العربي الراهن أبجل من عبرة البكاء على أطلال أحلامنا؟ إنها ساعة الحقيقة مهما قست، ولحظة اليقظة مهما تأخرت، وموعد مع تاريخنا مهما أجلناه. بلى فالعرب اليوم أمام أنفسهم، لا تنفع الأقنعة ولا تحجب المساحيق. إنها مرايا يجب أن نقف أمامها لنتأمل ذواتنا، عسى الله ان يفرج عن كربتنا جميعا، ويغسل آثامنا، ويغفر لنا سيئاتنا ويستر عوراتنا.

حل العيد يوم السبت، ولم يستطع واحد منا مهما كان انتماؤه وكانت جنسيته أن يهرب من مرايا الفضائيات، وهي ترينا مشهد الإعدام بقوة وبعراء وبما يشبه الجرح النازف الذي لا يفيد معه بلسم ولا يبرأ بدواء.

حل عيد الأضحى فاستقبلناه كعيد للضحايا العرب جميعاً بلا فداء بذبح عظيم، كما أنعم الله سبحانه على إبراهيم. فنحن الضحايا الذين تأبى الرحمة أن تنقذهم ويأبى العالم أن يفهم مأساتهم ويأبون هم بأخطائهم أن يغيروا ما بأنفسهم حتى يغير الله ما بهم!

إن كل ما يمكن أن يقال قيل حول تنفيذ ما سمي بحكم الإعدام في صدام، سوى ملاحظة أساسية أغفلها المحللون والسياسيون ويدركها القارئ للتاريخ العربي الحديث، وهي أن العراقيين وكل أبناء الأمة العربية انقسموا في هذا الحدث الجلل إلى فريقين متضادين:

فريق المهلل لإعدام صدام والفرح بما وقع له وربما شامت وفريق الغاضب الرافض لإعدام الرجل، والمتأثر بالحدث حتى ولو كان بعيدا عن مسرح الفاجعة ولا تربطه بالسياسة رابطة الالتزام. وبالطبع فالفريق الأول يدين البعث وقائده والاستبداد والفريق الثاني يعلن الحداد وينذر بالانتقام أو يتوقعه من بعيد ويعتبر الضحية شهيدا عربيا ومقاوما جسوراً.

هذه الظاهرة الانشطارية في علم اجتماع السياسة لافتة إلى أبعد الحدود ومعبرة عن حالة الانفصام العربية التي لا تبشر بخير في المستقبل، لأن المستقبل لن يؤسس على شطرين متناقضين تماما لا يجتمعان كأنهما خطان لسكة الحديد مهما طالت مسافة الطريق.

وهي ظاهرة تكشف عن حقائق عربية لا بد من فهمها ومحاولة تشخيص عللها، من أجل أن تكون في العالم أمة تستحق أمجادها وتستأهل تراثها وتبني مصيرها. وهذه الحقائق هي في نظري المتواضع كالتالي:

1- إخفاق دول ما بعد الاستقلال في تحقيق هدفها الأول وهو توحيد الصفوف وتذويب الطوائف والطبقات في قالب الشعب الواحد. ويتذكر كبار السن من العرب تلك الشعارات التي كانت النخب المناضلة ضد الاستعمار ترفعها حول وحدة الشعب وضرورة التخلي عن القبيلة والعشيرة واتباع الزعيم الملهم الجامع لكلمتهم والقائد لمسيرتهم والضامن لمصيرهم.

ثم أدت عقود متلاحقة من الانفراد بالرأي إلى أن تحول القادة أنفسهم مؤسسو الدولة الحديثة أو من ورثهم من أبنائهم الروحيين أو الحقيقيين في الجمهوريات والجماهيريات إلى شيوخ قبيلة سياسية جديدة بعد اندثار القبيلة الأصيلة واستحكم الحكم للبعض منهم باستعمال نفس منطق القبيلة والعشيرة مع بعض اللمسات التزويقية، التي حين حلت الأزمات انفلق حبها ونواها وعاد الانشقاق وبرر الزعماء منطق القمع والتمييز والإقصاء مما فتح أبواب الفتنة التي تحولت إلى بديل للتركيبة السياسية التقليدية، ولبست الفتنة الجديدة أقنعة الشعارات القومية والعدالة والوحدة الوطنية لتسحق الخصوم والمتربصين بدون رحمة.

2- فشل المشاريع الاستقلالية في الحفاظ على مجرد الاستقلال حتى في معانيه الإدارية والقانونية والشكلية، اذ أنه من نافلة القول بأن مصرع صدام حدث تحت الاحتلال، ومهما اختلفنا في تفسير أسباب الاحتلال حسب انتماءاتنا وميولنا ومصالحنا فهو يبقى احتلالا أجنبيا لشعب عربي، باعتراف وإدانة منظمة الأمم المتحدة، تماما كما كان الاستعمار البريطاني والفرنسي في مطلع القرن العشرين ، بل أخطر وأنكى وأطول وأشد تجربة وأكثر اعتمادا على استقالتنا وضعفنا وعلى موت السياسة في معناها المدني الضروري لكل نهضة.

3- إننا أمام حصاد مر لعقود من احتكار الرأي ومصادرة الفكر، مما غلب العاطفة الجياشة لدى شرائح الأمة الأوسع على التفكير والحوار وأعمال العقل والبصيرة. فالشعوب التي لا تقرأ ولا تسمع ولا تتلقى سوى رسالة واحدة حتى ولو كانت رسالة خالدة هي شعوب مسكينة يتلاعب بها أعداؤها بأيدي نخبها، تعلمت الخنوع وألفت المسكنة وقبلت الظلم كأنه قدرها المحتوم، وهي هذه الشعوب التي أفاقت صباح السبت لتأكل شواء العيد فإذا بها تأكل زقوم الموت المطل بوجهه من التلفزيون، والتي ظنت بأنه عيد الأضحى فإذا به عيد ضحايا !

الفريقان سيواصلان التراشق بالشتيمة والتهم وسيتناحران بالأقلام وبما هو أسوأ لكن ذلك لن يغير من واقعنا المأزوم شيئا ولعل القادم أشد ألما وفواجع مما نتوقع.

alqadidi@hotmail.com