المشاهد الجنونية المتوالية للتراجيديا الدموية العراقية التي تجاوزت أكثر التراجيديات الإغريقية مأساوية، والتي كتبت نصوصها بالدم الأحمر أيادٍ شريرة بأفكار سوداوية وبدوافع شيطانية، لا يردعها أمام مصالحها الاستعمارية لا تعاليم دينية ولا روادع أخلاقية ولا قيم إنسانية..

إنها امتداد لفصول مأساوية ممتدة في تاريخ العراق الحضاري العريق، الذي اختلطت فيه مشاهد الانتصار والانكسار، والازدهار والدمار، والفخار والعار، لكن شعب العراق عبر تاريخه الطويل كان بعد كل ضربة قاصمة يستعيد ذاته ويستجمع قواه ليؤسس دولة عاصمة..

لقد أكد الشعب العراقي بجميع مكوناته أن حركة التاريخ لا تتوقف أمام أية قاصمة مهما بلغت آلامها ومهما ارتفعت ضحاياها ومهما طالت محنتها، لأنه في كل مرة كان باستطاعته دائما أن يتعالى على جراحه ويتعلم من أخطائه ويتخلص من أسباب فرقته ويستعيد وحدته وبالتالي يصنع قوته ويصلح بوصلته باتجاه عدوه ليعيد بناء دولته حتى أثبت أن «القواصم كانت تعقبها العواصم» بإرادة الله أولا ثم بالمقاومة والصبر والتضحية.

. ولأن الأمم الحية ذات الجذور الحضارية العميقة لا يمكن أن تعصف بها العواصف الصحراوية حتى وإن حملت صواريخ «الكروز» والتوماهوك»، ولا يمكن أن يخلع جذورها من التاريخ بعض المغامرين الاستعماريين الحمقى أو المقامرين المحتلين الأغبياء، قصار النظر أعداء الحضارة ممن لا تاريخ ولا عقل ولا حكمة لهم.

وما شهده العراق بعاصمته التاريخية «بغداد» عاصمة الدولة العباسية في أزهى عصور الحضارة الإسلامية من الرخاء والثقافة والازدهار بعد استشهاد «الحسين بن علي» في مجزرة «كربلاء» وبعدما شهدته من الاحتلال والمجازر والتدمير على يد التتار والمغول يدل على أن القواصم تعقبها العواصم وأن بعد كل ليل صبح وأنه كلما اشتد الظلام قرب الفجر..

لكن ما شهده هذا البلد العربي الإسلامي الذي علم الدنيا الحضارة وقدم للثقافة الإنسانية حروف الكتابة وأرسى بقوانين «حمورابي» مبادئ العدالة الإنسانية، وما جرى على أرضه في القرن الماضي وحده من حروب فرضت عليه أو فرضها على أشقائه، زمن ثورات ضد الاستعمار أو مقاومة ضد الاحتلال واغتيالات لملوك ورؤساء وطنيين وعملاء وانقلابات ضد الحكومات المتعاقبة العربية منها والغربية.

وتواصلاً مع ما جرى فإن ما يجري فيه الآن من احتلال وإرهاب دولي وإقليمي ومحلي منذ الغزو الأنجلو أميركي، ومن شلالات الدم العراقي بفتن طائفية وسياسية ومذهبية لا تفرق بين أبنائه، ولا سنته أو شيعته ولا عربه أو أكراده لا يستهدف إلا مزيدا من الدماء والفوضى والتفتيت وتدمير الدولة العراقية والقضاء على هويتها العربية وحضارتها الإسلامية.

وملف تاريخ العراق الحديث خصوصاً في عهد الرئيس العراقي الراحل صدام حسين مليء بالصفحات وبالمحطات والأيام التاريخية بحروبها الدفاعية أو المهاجمة، بقوميتها ودكتاتورياتها، بحلوها ومرها، بشجاعتها وحماقتها، بتقدمها وتراجعاتها، الجديرة بالتوقف عندها طويلا للدرس والمدارسة وللتساؤل والمساءلة، بالاستحسان أو الاستهجان، وكانت كل صفحة تستنفر الشعب العربي والإسلامي كله لما للعراق الكبير من تأثير على مصير المنطقة كلها وانعكاس أوضاعه على أوضاعها.

وقد كانت قيادة صدام للفترة الأخيرة من تاريخ العراق مثارا للجدل السياسي والفكري في حياته مثلما أتصور أنه سوف يستمر ولأجيال طويلة محورا للجدل السياسي والفكري بين المؤيدين والمعارضين والمترددين بين الحالتين، شأنه شأن كل الشخصيات والزعامات والقيادات ذات الأثر في تاريخ بلادها سلبا أو إيجابا أو بالسلب والإيجاب معا.

ولأن التجربة الصدامية في حكم العراق تختلط في تقييمها ومقدماتها ونتائجها في عيون وعقول المتابعين والمراقبين لما فيها من تركيب وتعقيد وتشابك في الخيوط واختلاط في الألوان وتناقضات واتساقات في التحديات والاستجابات فسوف يكون بإمكان البعض أن يبغضوه ولهم أعذارهم، كما سيكون بإمكان البعض أن يبكوه ولهم دوافعهم، ويبقى البعض تتملكهم الدهشة والحيرة لا يستطيعون التفرقة بين الأبيض والأسود، لكن لن يكون بإمكان أي منهم جميعا ألا يتذكرونه.

ويبقى الإنسان هو الإنسان ليس ملاكا أو شيطاناً له حسناته وله سيئاته، له صوابه وله أخطاؤه، وفى حين عارضه البعض في حياته وكان على حق في معارضته نراهم الآن يبكونه بعد مماته، بينما أيده البعض في حياته وكانوا على باطل في تأييده لكنهم الآن يلعنونه بعد وفاته..

لكن واحدا من المشاهد التي دفعت الكثيرين إل التعاطف معه هو أن الأميركان والإنجليز وحلفاؤهم الذين حاربوه ليطيحوا بحكمه لم يقوموا بحربهم ضده عقابا له على سيئاته وسلبياته وإنما عقابا له على حسناته وإيجابياته، وربما ازداد تعاطفهم معه خصوصا بعدما اكتشفوا أنهم لم يستهدفوا بعدوانهم القضاء على صدام بقدر استهدافهم احتلالهم العدواني للعراق كل العراق من أجل عيون الأمن الإسرائيلي والهيمنة الأميركية تنفيذا للشرق أوسطية الاستعمارية وليس لنشر للديمقراطية.