في ليلة العيد، وقبل أن أخلد إلى النوم، بعد يوم طويل، أخذت أفكر في موضوع مناسب لمقالي الأسبوعي، وبعد حوار داخلي سريع استقر رأيي على أحد موضوعين: العيد أو العام الجديد. ثم خلدت إلى النوم وأنا أرجح أن أكتب عن العيد.. ماذا سأكتب عن العيد؟ بقي السؤال معلقا بلا جواب.

ثم أشرقت شمس أول أيام عيد الأضحى المبارك، فكنت منذ الصباح الباكر أحدث نفسي حديثا متواصلا بأساليب شتى، أنّ اليوم يوم عيد، ولابد للمسلم أن يستقبل العيد بالفرح، وأن يستبشر بأيامه السعيدة، فهذا واجب لا ينبغي لأحد أن يخالفه.

ولكن كيف يفرح الإنسان؟ وما الفرح؟ أليس الفرح شعورا ينتاب الإنسان بسبب مؤثر خارجي أو قوة ما تدفعه إلى أن يحس بهذا الإحساس الصافي الجميل؟ وأليس العيد في حد ذاته قوة عظيمة تستخرج الأفراح من أعماق الشعور؟ فما لي لا أشعر بالفرح؟ هل يملك الإنسان أن يتحكم في نفسه فيرغمها أو يوجهها إلى أن تعيش إحساسا ما حين يصادفها قد أصيبت بحالة من التبلد والجمود؟

تذكرت حينها علما يقول أصحابه إنّ الإنسان قادر على أن يوجه نفسه وعواطفه ويتحكم فيها من خلال الحوار الداخلي الذي يردده بينه وبين نفسه مرات ومرات. فبدأت محاولة جديدة في محاورة نفسي حوارا يحرك فيها سواكن الشعور، ويهزّ في داخلها مشاعر السعادة في يوم عيد سعيد يشهد أكبر تجمع بشري يعرفه التاريخ، في بقعة مباركة، تتوحد فيها المشاعر، وتتجرد لربها خالق الكون العظيم.

كنت أحثّ نفسي على أن تبتهج، وكان من عادتي ألا أقرأ الصحف في أيام العيد، ولكن يحدث في هذا اليوم أن تصل الصحف في وقت مبكر، بعد انتهاء صلاة العيد مباشرة، على خلاف ما تعودنا، وكأنها قادم يحمل أخبارا سعيدة، لا يسعه أن يتأخر، يسرع ليزفها إلى الناس. فبدأت أقرأ، وكنت كلما قرأت تردد في قرارة نفسي صوت يعيد ما قاله شاعرنا العربي العظيم المتنبي:

عيد بأيّ حال عدت يا عيد

بما مضى أم لأمر فيك تجديد؟

ويبدو أن العيد عائد بما مضى، فالحال هي هي، والعناوين هي هي، والأخبار نفسها، فالعيد «حزين في قطاع غزة»، وأنى لغزة الفرح وهي تستقبل عيدها حائرة ثكلى، جائعة عطشى؟ أنى لفلسطين الفرح وهي تسقى الأحزان عاما بعد عام؟ وليس لها زاد إلا المرارة والظلم والتجاهل؟

ومع ذلك فالعيد اليوم جاءنا بالجديد؛ جديد الجراح والحروب، فمقديشو تلك البقعة العربية الإسلامية التي تنوء بحملها، تستقبل العيد بالرصاص والدم. تلك الأرض الإفريقية القابعة على منفذ مهم، التي بدأت تفوح منها رائحة الذهب الأسود.. أرض عربية مسلمة تضم إلى قائمة الأراضي المفجوعة المستباحة.

أما بغداد عاصمة السلام، فيوم ليس كأي يوم هو عيدها، ولا يمكن لأي قلم، مهما يؤت من الفطنة والذكاء والمعرفة أن يسجل ما حدث على تلك الأرض، قد نحتاج إلى مفردات جديدة نبتكرها تكون قادرة على أن تتحمل معاني ما يجيش في النفس، ويعتمل في الفؤاد، والمرء ينظر إلى أرض الفرات تحترق كل صباح، ثم تضرم نيرانها من جديد كلما حل الظلام.

هذا بعض ما طالعته في صحف أول أيام عيد الأضحى، تركت الصحيفة، ونهضت أسأل نفسي، وأتمنى لو أجد أحدا من أهل البرمجة اللغوية العصبية يجيب عن سؤالي، أي نوع من البرمجة يحتاجها الإنسان العربي ليفرح في يوم عيد كهذا؟ أي قدرة جبارة يحتاجها العربي ليسعد سعادة حقيقية صافية تغمر يومه بالجمال والبهجة والسرور؟

توقف سيل الأسئلة، فقد بدأ الضيوف والأهل يتوافدون، وعلى الرغم من أنّ كل الأحاديث كانت تأبى إلا أن تعرج على جراح الأمة، تلك التي قرأت بعضا منها قبل ساعات، إلا أنني لاحظت كيف أنّ هدوءا بدأ يتسرب إلى نفسي، وشعورا بالسكينة، وإحساسا خجولا بفرح يومض بين وقت وآخر يجد له حيزا صغيرا في ركن من أركان الفؤاد المثقل، وكنت أتساءل حينها أيفرح الإنسان وهو حزين؟ أو أيحزن الإنسان وهو سعيد؟

وأليس اجتماع النقيضين محالا؟ كما يقول علماء العربية؟ فكيف إذن يجتمع حزن وفرح؟ وكيف أضحك وقلبي يبكي؟ أهذه طبيعة الإنسان التي قد لا يدركها أبدا؟ أم أنّ هذا دليل على عطب داخلي وفقدان الصدق الذي قد يكون زمننا أنشأنا عليه، فاعتدناه وألفناه؟ كانت الأحاديث تتواصل، والأسئلة في داخلي تتوالد. حتى انقضى النهار، وأقبل الليل، وانتهى أول يوم من أيام العيد. فماذا سيحمل اليوم الثاني؟ والثالث؟ والأيام القادمة؟

والآن أسأل: إذا كان هذا حال أمة العرب؟ وإذا كان الحزن فيها يسبق الفرح، والفرح فيها ممتزج بالحزن والمرارة؟ فكيف يستعد العربي لاستقبال يوم جديد؟ تأملت نفسي، مثالا على إنسان عربي مسلم، كيف أستعد لاستقبال يوم جديد؟ وقد مضى يومي، وهو يوم عيد، مثقلا بالحزن والألم؟

موشى بفرح خجول مطفأ؟ الشيء الذي عجبت له أنني رغم كل ما يتراكم في داخلي يوما بعد يوم، ورغم ما قرأت اليوم وما أقرأ كل يوم، ورغم ما تحدثت فيه وسمعته، رغم الكلام المثقل باليأس والإحباط الذي تبادلته مع بعض الأصدقاء، رغم كل هذا، وغير هذا مما لا يسعه مقال في صحيفة، أجدني أستعد لاستقبال يومي المقبل ببعض أمل.. أو بكل الأمل.. اليأس لحظيّ في حياة العربيّ، إنه كالألم الحاد، في لغة الطب، شديد، لكنه زائل، أما الأمل فكالألم المزمن، خفيف، لكنه مستمر.

هذا هو العربي يعيش أيامه بين ألمين، حاد، ومزمن. لكنّ أحدهما يأس، والآخر أمل. إنه إرث قديم توارثته الأجيال التي كبرت على «من المحيط إلى الخليج»، والتي ترعرعت على «أمة عربية واحدة»، والتي نشأت على «الخير فيّ وفي أمتي». ما زال العربي يرقب الأفق على أمل ورجاء. ما زال، حين يبكي، يصبر نفسه. ما زال، حين يُجرح، يداوي نفسه. ما زال، حين يُقتل، يُبعث من جديد.. إنني العربيّ الذي علمني جدي منذ مئات السنين:

أعلّل النفس بالآمال أرقبها ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل.

جامعة الإمارات