لأن له موعداً لا يخلفه أبداً كان العيد وفياً دائماً معنا. أما نحن فكثيراً ما أخلفنا موعدنا معه. يأتي العيد فاتحاً لنا ذراعيه لينشر الفرح الذي نشتاق إليه في ربوعنا لنستقبله بالشكل الذي يليق به لأنه يستحقه، وتأخذنا منه أحيانا أعباء نحمِّل أنفسنا وزرها كي نجد لها مبرراً يعفينا من الاحتفاء بالعيد الذي هو طاقة مفتوحة للفرح.
لذلك كان الماضي نافذة كثيراً ما أشعرتنا بالذنب ونحن نلجأ إليها هرباً من مواجهة هذه الأعباء وبحثا عن زمن أجمل نتوق لصنعه.
وفي غمرة هذا كله غالباً ما نتعثر بأشياء تبعث في نفوسنا الصحوة كي نعيش نشوة الفرح كاملة غير منقوصة، أشياء تضطرنا لعقد مقارنات يعتبرها البعض ظالمة، ونعتبرها نحن ضرورية لأنها وحدها القادرة على فك حصار الماضي تطلعا لمستقبل ربما لا نعرف له ملامح، لكننا نحاول أن نستشف صورته من عملية المقاربة هذه.
ولأن العيد ذاكرة متقدة دائما، فإننا غالبا ما نقلِّب دفاترها بحثاً عن أشياء أودعناها فيها، علّنا نعثر في رحلة بحثنا هذه على مدارات جميلة ما زلنا نحتفظ بها، وأخرى ضيعناها أو ضاعت دون وعي منا في غمرة الأحداث التي نصنع بعضها ويصنعنا بعضها الآخر، حتى إذا ما عثرنا على شئ مما شكل ذات يوم نسيج نفوسنا تشبثنا به إما تعلقا بالعمر الذي تسرب من بين أصابعنا دون أن نشعر به، أو حنينا إلى غرف في الذاكرة ما زالت تحتفظ بوهجها الذي لم ينطفئ.
ومن بين تلك الغرف القديمة التي نطرق أبوابها من آنٍ لآخر كانت بداية الحكاية التي سطّر العيد حروفها الأولى وأبى إلا أن يكتب نهايتها وهو يلوح لنا بيديه معلنا الرحيل.
لم تكن ليلة عادية تلك التي عاشها ذلك الطفل منذ أن تفتحت مداركه على الحياة وبدأ يعي معاني الأشياء ويعرف دلالتها. كانت الحياة كما يحس بها ويعيشها تسير على وتيرة واحدة، حتى إذا ما أتت مناسبة ما غيرت من تلك الوتيرة وأسبغت عليها لونا مختلفا كأنما ألقت عليها ملاءة مطرزة بلون المناسبة تلك والطقوس المرافقة لها.
كانت تلك الليلة مطلة على واحدة من المناسبات التي تتشح ملاءتها بألوان قوس قزح الزاهية، فتضفي على نفس ذلك الطفل شعورا بالبهجة يظل ملازما له حتى تنقضي المناسبة وتعود الحياة إلى سيرتها الأولى. لم تكن ألوان الفرح التي كان يعرفها الناس في تلك الأيام صارخة إلى الدرجة التي تسبغ عليها بهرجة لم تكن مألوفة لدى أهل تلك الفترة، لكنهم كانوا رغم كل شئ يعطون المناسبة حقها، وكانت أبسط الأشياء تشكل لهم علامات فارقة في الحياة، تنقلهم إلى أجواء من البهجة كانوا في أمسِّ الحاجة لها.
هكذا أخذ شعور بالسعادة يغمر نفس ذلك الطفل منذ أن غابت شمس يوم «الوقفة» الذي صامه الكبار بينما أمضى الصغار جُلَّ نهاره يلهون ويلعبون بانتظار ساعة الإفطار التي ستعيدهم إلى أجواء رمضان الحميمة، تلك التي مضى عليها شهران ونيّف ولمَّا تغادر بَعْدُ ذواكرَهم الصغيرة.
آوى الفتية إلى مخادعهم بعد يوم حافل باللعب، مخلدين إلى النوم بانتظار بزوغ فجر جديد سوف يأتي حاملا معه العيد الذي هم على موعد معه، وآوى طفلنا إلى مخدعه مسلِّما عينيه لطارق النعاس وأحلام لم تخرج عن طقوس ذلك اليوم الذي هو بانتظاره مثل سائر أقرانه.
لم تكن أحلاما من ذلك النوع المحلق مع خيالات «هاري بوتر» ومدرسة السحرة التي يتلقى ذلك الفتى الخارق فيها علومه كي يقضي على «سيد الظلام». فقد كان الوقت مبكرا جدا على هذه الروايات الخرافية التي سيطرت على عقول أطفال اليوم وأخذت تشكل أفكارهم وتغوص في وجدانهم.
كانت ليلة مطرزة بأحلام الثوب الجديد الذي سيلبسه في صبيحة العيد، و«العيدية» التي سيجمعها في ذلك اليوم ولن تتعدى في أحسن الأحوال دراهم معدودة بعملة ذاك الزمان، والكيفية التي سيصرف بها هذه «العيدية» والبنود التي سيوزعها عليها، وأخيرا.. خروف العيد الذي ستنتهي غدا علاقة ربطته به أياما هي على وشك الانقطاع لتصبح جزءا من ذكريات العيد التي تتجدد كل عام.
كانت أصوات المكبِّرين تصل إلى أذنيه الصغيرتين وهو بالكاد يفتح عينيه مستقبلا خيوط الفجر الأولى، وكان ثمة يد حنونة تربت على كتفه داعيةً إياه لأداء صلاة العيد التي بدأ يحرص على أدائها مع والده منذ أن أدرك للعيد معنيً لم يعد يفارق وجدانه. ينهض الطفل على عجل كي يبدأ طقوس العيد من أولها، تلك الطقوس التي قضى معها ليلة كاملة من الأحلام السعيدة التي توشك أن تتحقق مع بزوغ فجر العيد الذي أخذ يطرق بابه حاملا معه الفرح وكل الأشياء الجميلة التي قضى ليلة العيد محلقا معها.
يكبر الطفل، وتتقلص مساحات الاحتفاء بالأشياء في حياته كلما سلبت الحياة شيئا من براءته وأجهضت حلما من أحلامه. يدور الزمن دورته ويأتي العيد بعد أن تبدلت الأدوار وصار ذاك الطفل أباً. وفي صبيحة العيد يذهب الوالد الذي كان ذات يوم طفلا ليربِّت على كتف ابنه داعيا إياه للذهاب معه لأداء صلاة العيد.
ينقلب الابن على جنبه الآخر معرضاً عن دعوة أبيه مبدياً رغبة ملحة في مواصلة النوم. كانت أصوات المكبِّرين في صبيحة العيد تشق عنان السماء، وكان بعض الأبناء الذين بدأوا رحلة النوم مع خيوط الفجر الأولى يصمّون آذانهم عنها متشبثين بأسرّتهم رافضين الانتشار في الأرض . ينقضي نهار العيد كله والأبناء نائمون، لم يشعروا ببهجة العيد التي كان الآباء ينتظرونها ليعيشوها بكل كيانهم.
يقلب العيد صفحة كانت ذات يوم حافلة بالاحتفاء به، ليفتح صفحة لم يعد فيها ذاك العيد الذي عرفه أطفال ذلك الزمن الجميل، فلا يملك إلا أن يطوي أوراقه ويرحل، تاركاً لأطفال اليوم الذين لم يحتفوا به كل الملابس الجديدة التي أصبحوا يرتدونها على مدار العام لكنها لم تعد مغرية، وكل الألعاب الكثيرة التي أصبحت في متناول الأيدي على مدار الساعة لكنها لم تعد محركة للمشاعر، وكل الدراهم الوفيرة التي أصبحت تملأ الجيوب لكنها لم تعد قادرة على أن تجلب الفرح الحقيقي للقلوب.
على هذا المشهد يغلق الأب باب تلك الغرفة التي لم تزل عنده الأثيرة، لأنها تحتضن أحلى سنوات العمر الذي يأتي العيد لترميم ما تآكل منها. فعذرا أيها العيد إذا لم يعطك بعض الأبناء حقك، أما أنتم أيها الأبناء الذين لم تعطوا العيد حقه فلا عذر لكم نلتمسه في صبيحة العيد.
كاتب اماراتي
aliobaid2000@hotmail.com
