كل عام يذهب تصبح نتيجته العربية والإسلامية فقراً، ودماءً، ودماراً شاملاً إما بفعل الكوارث الطبيعية، أو اعتداءات الإنسان، ولا نعلم كيف من طور السلاح أراد أن يتفرد بالاستيلاء على العالم وفق جدلية التاريخ والقوة، لكن السلاح حين انتقل إلى العوالم الجاهلة، صار وسيلة حروب أهلية، ومن الخطأ أن تمتلك دول لا تقيم للقوانين قيمتها أسلحة فوق التقليدية حتى لو سمتها، أو اعتمدتها درع حماية وردع..
عام مضى شهدنا تمزيق المجتمع العراقي، وانحداره إلى حرب أهلية، وآخر مؤشرات الأفق الأحمر قتل صدام في يوم عيد الأفراح، وموسم الحج، ودون أن نرى احترام قواعد القبيلة قبل أن تدخل الإسلام حين سنت بأعرافها وقوانينها التقيد بالأشهر الحرم، وأيضاً عشنا مأساة رفع البندقية وتصويبها إلى الصدر الفلسطيني من أخيه في النضال والصراع مع إسرائيل، وعلى جبهة السودان عيد الدم مستمر ونازف، وحتى الصومال الغارقة، بفقرها شهد العيد أكبر هروب لعاصفة مليشيات المحاكم على يد الحكومة وحليفتها أثيوبيا، وقد تلحق لنان بركب المآسي..
ليس في الأمر جديد غليان في كل مكان ينذر بتقسيم الأمةالعربية إلى مبادة ومشردة، وغير مستقرة، ومنقسمة على كل شيء في الدين، والأهداف والمصالح العليا وتهديد لأمنها من قوى إقليمية، أصبحت تتقوى على حساب ضعفها، والأكثر إيلاماً أنه لا توجد أمة زايدت على هويتها وثوابتها، وخرجت من التحالفات ضد بعضها، من قبل بعض الدول ضد أخرى، واستقطبت أحزابها الفكر القومي والاشتراكي واليميني، ثم قامت بقفزة أخرى نحو هاوية رفع قيمة الطائفة فوق الوطن والقومية، تلعن الغرب بلسانها وتصافحه بيدها اليمنى، وتقبله على خده الأيمن والأيسر، ازدواجية في كل شيء، ونقص تام في توجيه إرادتها إلى تأمين ظهرها من الأعداء والاعتداء..
العام الماضي، أسوأ من قبله، ومع توالي السنوات والأعوام، صرنا نبحث عن تقليل المآسي وخسائرها، حيث أصبح الحياد بين الخصومات مستحيلاً، والتوفيق بين الآراء معجزة، وعقد قران بين خصومات شكلية تنمية لمهارة نقض المواثيق، وتسفيهها..
اللوحة العربية سوداء، وكل خطوط ألوانها رسمت بدماء الضحايا الحمراء وحتى نفيق من الصدمات وتتالي الجنون السياسي، لا نعرف من يعلق فانوس الحكمة ليلم تناثر الأشلاء، طالما أن صوت العقل مفقود في صحراء التيه العربي، وما لم نواجه حقائقنا بأنفسنا ونعطي المنطق بعض الحق في فض نزاعاتنا وحروبنا، فإن ليالينا المعتمة سوف تستمر، وسنكون الجاني والضحية على أوطاننا وأجيال مأساتنا الطويلة..