في الوقت الذي يبحث فيه الجميع عن مخرج من الأزمة الدموية الحالية التي تعصف في أمن العراق واستقراره يأتي إعدام الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين كحدث كبير على تلك الساحة السياسية المشحونة بالاحتقانات الطائفية، ذلك الرجل الذي تربع على سدة حكم العراق منذ عام 1979 بعد تنحيته للرئيس حسن البكر، ليدفع خلال فترة حكمه هذا البلد الذي كان يشكل ثقلاً إقليمياً في المنطقة إلى حروب عدة مع جيرانه.
فضلاً عن قيامه بأعمال عسكرية في مناطق شيعية وكردية وصفت بأنها جرائم حرب والتي أحيل على أساسها إلى المحاكمة بمحكمة مدنية أمر بها بول بريمر الحاكم الأميركي للعراق بعد إعلان القبض على صدام بأحد المخابئ السرية تحت الأرض في بغداد كما صورتها وسائل الإعلام المختلفة.
ومما لا شك فيه وحسب كثير من الآراء العراقية وغير العراقية فإن توقيت إعدام صدام لا يصب في الصالح العراقي على الإطلاق بل إنه، سيقود إلى مزيد من عمليات العنف الطائفية وقد يقود إلى فلتان أمني من جديد، ليصب بالتالي هذا القرار بمجمله في الصالح الأميركي الذي يمكنه من خلاله تحقيق مكاسب عدة من أهمها الحصول على مبرر وتأييد للرأي العام الأميركي خصوصاً والغربي عموماً بشرعية استمرار القوات الأميركية في العراق وتغطية للإخفاقات التي منيت بها.
وبذلك فإن إعدام صدام سيخدم إدارة بوش التي رفضت تقرير بيكر ـ هاميلتون الذي دعا إلى تحديد موعد للانسحاب من العراق والتفاوض مع جارتيه سوريا وإيران معتبرة هذا التقرير نقداً واضحاً لسياستها في العراق، ما دفع بوش إلى الإعلان عن اتباع استراتيجية جديدة لم يفصح عنها إلا أنها أتت برغبة في زيادة عدد القوات الأميركية في العراق وهو الأمر الذي يحتاج إلى مسبب له.
ولهذا اختير هذا الوقت لتنفيذ حكم الإعدام بصدام بعد محاكمة دامت أربعين جلسة حوكم فيها في تهمتين فقط بين مجموعة من التهم الموجهة إليه، وهما ارتكابه مجزرة الدجيل وذلك على إثر محاولة تعرضه لمحاولة اغتياله أثناء زيارة لها، أما القضية الثانية فهي قضية الأنفال والتي قتل فيها عشرات الآلاف من الأكراد المناوئين له.
وعلى كل حال فإن اختيار وقت الإعدام في صباح يوم مناسبة دينية كعيد الأضحى يحمل في ثناياه معاني مؤذية للمشاعر الإسلامية عموماً، كما أنه يحمل بذور الفتنة، لأن البعثيين القدامى المهددين أميركياً بالاجتثاث.
والذين يعتبرون صدام حسين هو القائد لهم سيجدون في هذا تحدياً وتحولاً بالتالي عن المصالحة الوطنية التي كان وعد بها رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي في المؤتمر الذي عقد مؤخراً لهذه الغاية، من خلال اجتذاب أعضاء حزب البعث السابق إلى صفه في تشكيل الوفاق السياسي، الأمر الذي سيقود ولاسيما العناصر الموالين لصدام إلى ارتكاب المزيد من الأعمال التفجيرية وربما قد توسع نطاق أعمال العنف لتشمل مناطق أخرى ما يخلق بدوره مبرراً لتعزيز الوجود الأميركي الأمني في العراق.
والآن بعد انتهاء مرحلة صدام في محكمة القرن كما قيل عنها وفي محكمة وجد الكثير فيها فصولاً درامية هزلية ولاسيما أنها انتهت بالإعدام شنقاً، رغم أن صدام كان عسكرياً وكان من الأحق أن يعدم رمياً بالرصاص أو أنه كان بالإمكان إعدامه بعد إلقاء القبض عليه بطريقة سرية من خلال بيان حكومي، لا تثير تلك البلبة التي أتت مع جلسات المحكمة والحوارات التي دارت فيها والتي أتاحت الفرصة لصدام أن يعبر عن آرائه ويكون قاعدة شعبية جديدة من المنتمين له، والتي سيكون ردها الآن أشد عنفاً وبعداً عن الوحدة الوطنية في الوقت الذي يحتاج فيه العراق إلى توحيد الكلمة ووضع السلاح جانباً والبعد عن سياسة الإقصاء.
ومن هنا فقد كان على حكومة المالكي التي وجدت أنه لا يمكن التراجع مطلقاً عن قرار المحكمة أن تتريث قليلاً حتى تتمكن من استمالة البعثيين إلى صفها، وتشكل معهم وفاقاً محدداً وإعادة تشكيل كيانهم وبقيادة جديدة وفق ما يتناسب مع تلك الصورة المتفائلة التي رسمت للمصالحة الوطنية في المؤتمر الأخير.
إلا أن إعدام صدام الذي يعتبر تحولاً تاريخياً جديداً في التاريخ العراقي الذي شهد اغتيالات مدوية لرؤسائه من الملك الفيصل إلى اللواء عبد الكريم قاسم إلى المشير الركن عبد السلام عارف الذي قضى في حريق طائرة مع عدد من الوزراء، أشفى صدور كثير من العراقيين وأدخل السعادة إلى قلبهم، ولكنه وكما تشير التوقعات سيجر عليهم المزيد من التمزق والدمار.
وربما ستشهد الأيام المقبلة مثل هذه الأعمال التخريبية الإجرامية مجهولة الهوية التي من شأنها توليد مزيد من الاحتقانات الطائفية، فهل ستدرك حكومة المالكي هذه الخطوة أم أنها ستشهد غوصاً جديداً في وحل القرارات الأميركية؟.