أرجو أن لا يقرأ أحد هذا العنوان وكأنه «حالة مُرضية» بمعنى الرضا والقبول، فالمقصود «مًرضية» فكما هي الأفراد تمرض بأمراض مختلفة، فإن الأمة التي ننتمي إليها في حالة «مًرضية» تدخلها في بداية القرن الواحد والعشرين مثقلة بأعراضها، دون أن نتعرف على وجه اليقين على العقار الشافي.
ولنا في بعض عناوين الكتب العربية التي صدرت مؤخرا ما يؤشر إلى تلك الحالة المرضية، واعًددُ بعضها، فهي تعلن « العرب بين الرشادة والتيه» و« الحلم والكابوس» و«خريف العرب» و«في الخلاص النهائي» إلى آخره من مثل هذه العناوين التي تشير إلى تلك الحالة المرضية المزمنة وتزخر بها المكتبة العربية الحديثة تبحث بجد عن العقار الشافي.
في بغداد تم إعدام صدام حسين شنقا واحتمال إعدام بضع من رجال ناصروه في أسوأ فترة حكم تاريخية في العراق، والعراق ليس بشاف من أمراضه. وفي بيروت تتقلص المسافة بين الجنوب وبيروت فتنتقل المواجهة من الحدود الجنوبية إلى ساحة رياض الصلح في قلب بيروت، وهي مواجهة تتجاهل تحديات المعركة الأساس لتنتقل إلى معركة بين أهل الوطن الواحد.
في الصومال يتقاتل الفرقاء لسنوات طويلة ليس على الكلأ والماء، بل على من يحضر الأفلام الهندية!! وفي فلسطين يذهب الضحايا ممن لا وطن لهم برصاص ضحايا آخرين لا وطن لهم، ويسابق الجميع الريح في التشدد مع الإخوة والتساهل مع الأعداء.
هذه بضع ظواهر لهذا المرض الخبيث الذي يبدو ظاهرا في أماكن اشرنا إليها وباطنا في أماكن أخرى غائبة تحت السطح، من هذا الوطن الكبير والمترامي الأطراف.
إذا كان لنا أن نجتهد في توصيف المرض فلننعته بـ (الصدامية) وهي حالة ليس لها علاقة بالفرد أو الأفراد، بل حالة ذهنية تبدأ في فكر الإنسان العربي السياسي، وتأخذ أشكالا مختلفة من الصراع العبثي المزري بالأوطان، تشتد وتضعف ولكن جوهرها واحد.
هذه الحالة لها مظاهر وهي أولأ احتكار معرفة الحقيقة والقول الفصل في القضايا الوطنية، فالقوى التي تتزعم المعارك السياسية منحازة إلى الفوضى والقتل والتصفية باتجاه احتكار «الحكم» و«الحقيقة» تمهيدا لتقديس الفرد وإضافة هالة من الرشادة السياسية الإلهية أن أمكن على ذلك الحاكم أو الزعيم، مقصية الشركاء في الوطن، وتُطعم تلك الأفكار إلى تلك الجماعات الفقيرة والمحرومة، على أنها الخلاص مما يعانوه من عوز وتخلف.
وهي في الحقيقة بعيدة عن خلاصهم، لأنها لا تزيد من فقرهم وعوزهم فقط، بافتعال المعارك واستنزاف الاقتصاد وتفتقد إلى الآلية الحديثة لتسيير الدولة، بل وأيضا بسلبهم أفضل ما لدي الإنسان وهو القدرة على التفكير الحر، أي خفض قدرتهم على التفكير المستقل.
وهو أغلى ما يمكن أن يفقده الإنسان في عصرنا الذي نعيش. والأمثلة كثيرة لا تكاد تحصى، فأين جماهير صدام حسين الذي ما أن يخرج على قومه بزينته حتى تلتهب الحناجر بالهتاف الرديء...(بالروح.بالدم..).أو أمثاله مما نعرف في تاريخنا الحديث. ألذي نكاد نسمعه أو نسمع أمثاله في بيروت هذه الأيام، ويتردد في عواصم أخرى.
وثاني المظاهر هو الصلافة في التخاطب بين الفرقاء المختلفين إلى حد الفجور في الخصومة، ونذكر الجميع كيف كان يخاطب إعلام صدام حسين خصومه في فترات مختلفة بالحديث عن « المجوس» وإخراج أمة كاملة ومذهب من المذاهب الإسلامية من حوزة الإسلام السمح.
كما كان يخاطب المختلفين معه في السياسة بالإشارة إليهم بـ «عرب اللسان» وكأن العروبة هي محض ملك له، يهبها من يريد. مثل هذا الفجور نسمعه في التخاطب اليوم يأتينا من بيروت بالحديث إشارة للشركاء في الوطن بـ «القتلة» أو «المحكمة الدولية تحت حذائي» أو أن البطريرك وهو رجل دين فاضل وقور قد «تهيج»!! بسبب زيارة النساء.. مثل هذه الألفاظ والنعوت تدغدغ فقط عواطف الجهلة وتحط من القائل أمام محكمة العقل.
أما ثالث الظواهر فهو احتكار الوطنية وإخراج المخالفين السياسيين منها، وهي تهمة سادت إبان سيطرة الوعي الأحادي، وما زالت بضاعة رائجة إلى يومنا هذا، وهي احتكار يرى فيه البعض نفسه فقط هو الوطني المخلص والباقي عبارة عن تُبع مأجورين يؤمروا فيطيعوا من «قوى خارجية» دون تحديد تلك القوى على وجه الدقة.
ودون أي سند عقلي. أما إذا زاد الطين بله فان الاحتكار يذهب إلى «العقيدة» فيصبح المخالف كافرا، وتزدهر بين كُتاب الأمة اليوم الحديث عن الكفر والكفار وعن «النواصب» و«الروافض»!! كناية عن انقسام حاد مغلف بجهل مرضي مزمن.
ما أشير إليه عن «الصدامية» ليس بالضرورة هي حالة اعتنقها صدام حسين ومن معه، ولكنها حالة عامة تتجاهل الواقع العالمي، كما تتجاهل رغبات الناس أو الأكثرية ومصالحهم المرسلة، ففي الوقت الذي يشهد العالم انكماشا في الحكم الدكتاتوري والحكومات العسكرية والحكم الاشتراكي القمعي، وأنظمة رجال الدين، وحيث تتأكد وتنتشر مقولة لا تحرير دون حرية.
ولا انعتاق مع سيطرة وتقديس لزعامات أفراداً أو أحزاباً، ولا مساواة دون تكافئ فرص، ولا يتحقق العدل دون مواطنة، ولا نهضة دون تنوير، ولا حرية وطن دون تحقيق واحترام المصالح لكل قطاعات الشعب. ترغب «الصدامية» المتجددة مع تغير تلاوينها، بإبقاء الحالة المرضية لشعوب هذه الأمة في حالتها المرضية المزرية.
تقول حكمة صينية إن أفضل الحروب هي أن تهزم جيش عدوك دون قتال، ولا أفضل من هزيمة تزرع المرض في جسم الأمة بتعطيل عقلها في التساؤل والمناقشة، والاهم تكريس القدسية للزعامات والتي لا سبيل للخروج من القرون الوسطى إلا بنقدها.، تحاشيا لتكرار ما يحدث في العراق أو ربما في فلسطين أو لبنان.
كاتب كويتي