في كلمته بمناسبة حلول العام الجديد، قال الرئيس بوش مخاطباً الأميركيين، بأن الحرب على الإرهاب لا تزال «طويلة»، آثر المصارحة على تقديم الوعود المعسولة، غير القادر على الوفاء بها. مكاشفة رأي أنه من الضروري التأكيد عليها. لكنها منقوصة. المحجوب منها أهم وهو كيف سيخوض تلك الحرب؟

هل بنفس المقاربة والسياسة والوسائل، التي اعتمدها حتى الآن؟ الجواب قد ترتسم ملامحه في التوجه الجديد، الذي وعد بالكشف عنه، في غضون الأيام القليلة القادمة، فهو عاكف، منذ أواخر العام الماضي، مع أركان إدارته ومستشاريه، على صياغة هذا الجديد.

المراجعة هذه جاءت في أعقاب تقرير بيكر، الذي أوصى بإحداث تغييرات كبيرة في التعامل مع الأزمة أو الورطة العراقية. كذلك جاءت في ضوء استمرار التدهور على الأرض، في ساحة هذه الأزمة. لكن الاضطرار للاعتراف بالتعثّر وللقيام بالمراجعة شيء، وترجمة ذلك إلى خطوات وسياسات ملموسة شيء آخر.

التلميحات الصادرة عن الرئيس وإدارته في هذا الصدد وحتى الآن، ضبابية في أحسن أحوالها. فهو استبعد، أو أوحى باستبعاد، الشقّ الدبلوماسي من هذه التوصيات. ربطه بشروط مسبقة قبل الموافقة عليه. كما حرص على ترك الانطباع بأنه يميل إلى تعزيز القوات الأميركية في العراق «لفترة مؤقتة»، بغرض المساعدة في ضبط الوضع الأمني وتسريع التدريبات اللازمة، للقوات العراقية.

التوصية الأساسية في التقرير والمتعلقة ببرمجة الانسحاب والبدء في تنفيذه مع دخول العام 2008، كان له وقع بارد عند الرئيس بوش، فهو لم يتراجع عن مقولته بأن تحديد وعد لانسحاب القوات الأميركية، يعني الهزيمة أمام الإرهاب وإفساح الساحة أمامه للاستفراد بها. والتزامه العلني المكرر بهذا الموقف زاد من صعوبة التخلي عنه.

وهنا يكمن المأزق: الحرب على الإرهاب مع استمرار الاحتلال باتت محكومة بالمراوحة وتعميق الورطة فضلا عن تفاقم النزف والعنف.

الثابت ان الاحتلال أدّى إلى تزايد تفريخ الإرهاب. حقيقة تعرفها واشنطن أكثر من غيرها، كما أدّى إلى تفاقم نزاعات باتت تهدد العراق كبلد، بل المنطقة برمتها. فهل يتجه الرئيس بوش نحو التصرف على هذا الأساس ويبدأ بوضع اليد على الجرح كمدخل لمعالجة هذا الملف من كافة جوانبه، أم يختار طريقاً أخرى تكفل استمرار الحرب المديدة التي تحدث عنها، لكن بأدوات إقليمية ـ محلية؟

المؤكد أن الرئيس الأميركي سيختار ما يرى فيه مصلحة بلاده ورئاسته. وليس متوقعاً منه عكس ذلك. السؤال عندئذٍ هو ما إذا كانت الأطراف العراقية تعتزم اعتماد القاعدة نفسها، مساحة الوقت أمامها تنكمش بسرعة. المناخات السائدة في البلد وجنون العنف الفالت من عقاله مع التطورات الأخيرة التي رفعت من درجة الاحتقان، كله يفرض الاستدراك المستعجل، لتعزيز ما بقي من فرص وإمكانيات تقف بوجه تحوّل العراق إلى أداة في حسابات إقليمية أوسع، وتكون في الوقت نفسه نقلة نوعية لإنقاذه ومنعه من الاندفاع في طريق الانتحار.