الأعياد الدينية وأيام الإجازات قد تتيح للبعض مساحة للتأمل في أحوال الحياة، والقيام بنوع من إعادة القراءة ولو بشكل عابر للحياة الإنسانية مابين الأمس واليوم، وربما تتيح له أيضا إعادة تحديد وجهة بوصلته في عملية مراجعة أو حتى تراجع في طريق سيره أو هدف مسيرته بعد تفكير صامت أو بصوت عالٍ.
والتفكير العقلاني الصافي الرؤية، والقلب الإنساني السليم، والوجدان السوي وغير السقيم يمكن أن يساعد الإنسان في رحلة البحث عن المعنى الحقيقي للحياة وعن المعبود الحقيقي الأعلى خالق الحياة، ويقوده إلى الأمام في اتجاه الحق والعدل والخير والجمال.
بينما التفكير المادي البحت لا هو عقلاني ولا هو وجداني ولا هو إنساني حينما يطفئ مصابيح الرؤية فيقود الإنسان إلى السير في اتجاه عكسي، والباعث على الدهشة أن البشرية التي تظن أنها تسير إلى الأمام إنما هي في الواقع تتقدم علميا وماديا بينما تتراجع روحيا وإنسانيا في ظل القيم المادية بلا معنى والنفعية بلا قيمة.
وفي حين أن أعلى قمة يمكن أن يصل إليها الإنسان هي الوصول إلى أن يكون إنسانا، وأكبر إنجاز يمكن أن يحققه الإنسان على الأرض هو أن يكون أعلى من البنيان، يرى أكثر الناس اليوم على العكس من ذلك أن القيمة المادية هي أساس القيمة الإنسانية.
وعندما نرى اليوم أن المال أصبح هو أساس القيمة، والمادة أضحت فوق المعنى، والمادة تتقدم وتعلو على الإنسان، والمعبود الجديد بات هو الدينار، يكون الإنسان قد شرع في مغادرة المعنى الحقيقي للإنسانية، واستسلم للعيش لكنه افتقر إلى الحياة، ونكون في الواقع قد انهمكنا في بناء الحضارة المادية وفي هدم المدنية الإنسانية..
وتنوع ألوان ولغات البشر واختلاف الطبائع والأفكار بين الناس أشبه بحديقة إنسانية تتنوع زهورها وتتعدد أشواكها، وتعيش فيها الورود والأشواك جنبا إلى جنب وفي وقت واحد دون أن يكون جمال الورود سبباً كافياً لإلغاء الأشواك ،ودون أن تتمكن الأشواك من منع الورد من التفتح..
وليس ذلك فقط عملا بمبدأ العيش المشترك، وليس فقط بحجة أن الخير موجود وأن الشر موجود وسيادة أحدهما لا تنفي بقاء الآخر، ولكن لفائدة أساسية فوجود الأضداد وحتى مع صراعها لها حكمة أخرى كما يقول الشاعر : «وبضدها تتميز الأشياء».
وقد يختلط الشوك بالورد في نبات واحد وعندما لا تسعى فيها وردة وحيدة بزهو اللون أو الشكل أو الرائحة، أو بحدة شوكها لإلغاء بقية الورد، تبقى كل وردة أيا كان اسمها هي وردة تحت كل الأسماء.
والناس صنفان كالورد والشوك، الأول من هم أسرى مبادئ تحكمهم القيم الإنسانية فترفعهم المعاني إلى ما هو أعلى من المباني، والثاني من هم أسرى مصالح تتحكم فيهم القيم المادية ويسقطون المعاني.. وبينما تسكن المعاني أفكار النوع الأول، تأتي أفكار وأهداف النوع الثاني خالية من المعاني. والفرق فكر له معنى في مقابل فكر بلا معنى.
وقليل من الناس من يعتقد أن أعلى منصب يمكن أن يصل إليه الإنسان هو أن يصل إلى أن يكون إنسانا. وأعظم صفة يمكن أن يتصف بها هي صفة الإنسانية، وأعظم لقب يمكن أن يلقب به هو لقب الإنسان وأغلى تاج يمكن أن يضعه فوق رأسه هو تاج الإنسانية.
بعض الناس يشتغلون بالعطاء وبعضهم ينشغلون بالأخذ، والبعض يشغلهم الجوهر والآخرون ينشغلون بالمظهر، بعضهم في سعيهم للارتفاع الوظيفي قد يقبلون الانحناء لكي ترتفع مناصبهم. وبعضهم يقبل بخسارة الدنيا كلها ولا يقبل أن يخسر نفسه أو يفقد كرامته أو يلغي ضميره.
وبعض الناس يكبرون بمناصبهم وبعضهم تكبر مناصبهم بهم أولئك الذين يدركون أن المنصب. أي منصب مسؤولية. والمسؤولية أية مسؤولية أمانة. والأمانة تتطلب الأهلية. والأهلية إذا غابت ضاعت الأمانة. وإذا أوكلت الأمور إلى غير أهلها ضيعت الأمانة. وإذا ضاعت الأمانة اقتربت الساعة. وإذا اقتربت الساعة فعلى الدنيا السلام.
mamdoh77t@hotmail. com