التقت شخصيات عديدة ومعروفة في الدوحة في المؤتمر السادس تمثل الاتجاه القومي العربي والإسلامي لكي تبحث في واقع التحديات التي تهدد الهوية في أعمق واهم ملامحها القومية والإسلامية، خاصة في مرحلة العولمة، والتي تفرض نفسها كمرحلة جديدة من الصراع العالمي، يتم فيه تشخيص العالم وصداماته على أسس حضارية وثقافية وتكتلات اقتصادية.

وتتمحور تلك اللحظة التاريخية من الصراع الحضاري بين قارات عدة تأتي المنطقة العربية كواحدة من تلك المناطق التي تغطي قارتين أساسيتين، تموج بالحركات الإسلامية والقومية وتتمازجان وتتداخلان كإرث ثقافي، سواء على صعيد المؤسسات الرسمية أو على صعيد المؤسسات الأهلية والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني.

ما طرحه مؤتمر الدوحة من محاور وحوارات وخطب ووصايا ووعظ ونصائح وبكائيات وتمجيد واستنهاض في همم الأمة تدفعنا إلى التوقف إزاء أولئك الذين تقاطروا من كل صوب لكونهم يتوهمون ويعتقدون أنهم يمارسون نضالية نخبوية من صالات وفنادق تم دفع فاتورتها سلفا ، بل ولن نجد أي واحد من تلك الأسماء مستعدا أن يحضر المؤتمر القادم فيما لو قيل له أن تكاليف المؤتمر من التذاكر والفنادق والإقامة يتحملها على حسابه الخاص.

كما يفعل المؤتمرون من منظمات المجتمع المدني في أوروبا. من يأتون من العالم العربي من شخصيات منحت ألقابا ورتبا فكرية وتدفع فاتورتهم المداخيل النفطية المتخمة، هم أنفسهم الذين كانوا يوما ولا يزالون يعبرون عن الخطاب الرسمي القومي أو الإسلامي يعبرون عن تيارات محافظة ومتطرفة إسلامية .

وفي أحسن الأحوال انتقلت للخطاب المعتدل والوسطية عندما وجدت أن مطرقة الولايات المتحدة تطاردها ليلا ونهارا وتضع كل مؤسسة إسلامية تحت طائلة المساءلة القانونية بحجة التطرف والإرهاب في كافة أنحاء العالم، بما فيها العالم العربي والإسلامي.

من جاءوا من كل صوب وحدتهم الروح النضالية المعادية للغرب الامبريالي وتناسوا أن الغرب متواجد في كل ثنايا الحياة اليومية بما فيه ملابسهم الداخلية، كما أن الغرب المستهدف الموجود بيننا ليس إلا تعبيرا محسوسا عن المصالح الرأسمالية ومؤسساتها الكونية في كل المعمورة، ولا يمكن مقارعتها بالخطب والنصائح والتوصيات التي ما قتلت ذبابة كما يقول نزار قباني.

من يبحثون في مؤتمر الدوحة عن مقاربة توفيقية وتقارب بين تيارات إسلامية وقومية ليسوا إلا دعاة ظروف تاريخية ملحة مستعجلة، لعل تلك القوى بأصواتها المعلنة والخفية تدافع عن خطر ابتلاع العولمة والنظام العالمي الجديد المنطقة برمتها، شعوبا وأنظمة.

مما يجعل على وكلاء الأنظمة أولا الجري بسرعة لوضع متاريسها أمام تلك الهجمة العالمية الجديدة، وتصبح إعادة رسم الخرائط الدولية بين نادي الأثرياء هاجسا حقيقيا للأنظمة العربية دون استثناء طالما أن الرياح والمخططات والخرائط تطرح شرقا أوسطيا جديدا يتم تسويقه بهدوء.

ومن يتوهمون أن الصراع مع القوى الكبرى حول مسألة استراتيجية هو الصراع العربي الإسرائيلي تتم معالجته بأجندة قديمة ، عرفتها كل التيارات القومية خلال نصف قرن وتمارسها التيارات الإسلامية مجددا، عبر أطروحة استعادة كل فلسطين، وليس أراضي عام 1967، عليهم أن يحاولوا الإجابة على سؤال استراتيجي وسياسي جوهري هل العرب والمسلمون مستعدون لخيار الحرب أم السلام مع إسرائيل؟

وفي حالة الإجابة على احد الخيارين عليهم أن يحددوا صيغة وطبيعة تلك الخيارات وعلاقة العرب والمسلمين مع تلك الثنائية التاريخية العرب وإسرائيل، المسلمون وإسرائيل خاصة وان الجمهورية الإسلامية دخلت على خط حمل راية الدفاع عن العرب والمسلمين كونها تدعي أن الأنظمة تراجعت وتنازلت عن ذلك الحق، وما يردده زعماء ورجال دين إيرانيون دليل محسوس على ما نقول.

من يحاولون من نخب عربية وإسلامية انتشال أوضاعهم كأوصياء يعبرون عن ضمير الأمة - وهذا اصطلاح تردده كل مجموعة نخبوية، دون أن تمتلك صك التوصية والتمثيل لإرادة الشعوب المتباينة - محاولين اختزال الصراع العالمي بمنطقة محددة وكأنما النظام العالمي يستهدفنا بمفردنا في مرحلة العولمة، دون أن ندرك أن الصراع المعولم يشمل منطقة الشرق الأوسط كواحدة من أهم مناطق العالم حيوية وأهمية في اللحظة الراهنة.

من حضروا المؤتمر القومي الإسلامي تناست ذاكرتهم أن الأنظمة القومية والعربية بردائها الإسلامي أفلست تاريخيا، أو غير العربية بردائها الإسلامي نفسها بالأمس واليوم من تزج شعوبها وحركاتها المناهضة في غياهب السجون تحت حجج كثيرة.

ولن تكون تلك المؤتمرات إلا تعبيرا عن تأصيل وتأسيس الروح الديمقراطية القادمة في المنطقة العربية على أسس غربية كما تشير الكتابات العديدة حول القيم الغربية للديمقراطية وتعزيزها في المنطقة فمن حضروا وتحاوروا يؤكدون ذلك المناخ النخبوي الذي يسود في الغرب الديمقراطي مع غياب عنصر واحد أساسي هو حق تلك الشعوب المسحوقة، القومية والإسلامية، في التعبير جماهيريا عن مطالبها وحقوقها المعيشية والحياتية والدستورية.

من يحاولون نقل الصراع الإسلامي القومي مع الغرب وحده يتجاهلون حقيقة الصراع داخل المجتمعات محاولين ترحيل التناقضات نحو عدو خارجي مشترك على حساب تناقضات أخرى جوهرية تتوازى مع تلك المحاولات التوفيقية بين الإسلام والقومية ومقاربتها على مستوى محدود هو مناهضة العدو التاريخي المشترك الاستعمار والصهيونية، في وقت يعلم الجميع أننا نتحاور ونلتمس واسطة اؤلئك الخصوم في كل التحديات والمشاكل، فقدرنا أن يكون كما يقول الشاعر العربي لحاكمه:

«يا اعدل الناس إلا في معاملتي فيك الخصام وأنت الخصم والحكم». ولم يكن المشروع النهضوي موجودا في القاعات «مشروعا تنويريا إسلاميا وقوميا يؤمن بالتحديث والمعاصرة وينتقل من فكر الشوفينية القومية» التي اضطهدت الأقليات وانتشال العالم الإسلامي من الفكر الظلامي الذي يغرق المنطقة بتلك الروح والإسلام السياسي المتطرف انطلاقا من رؤية سلفية ومعادية للحضارة العالمية باعتبارها حضارة غربية واستعمارية وصليبية متناسين أن الحضارة العالمية هي نتاج من نتاج حركة الشعوب والتاريخ بكل ما يحمله التاريخ من نهب للثروات وكشوفات علمية وثقافة تنويرية وعقلانية ازدهرت بالعلم والنشاط الإنساني.

من يحاولون نسيان الحقائق ولا يرون في الزواج بين التيار الإسلامي والقومي - وهو زواج مسيار وزواج متعة لم يتفقوا بعد على التوفيق والتوافق حوله - إلا ضالتهم «مثلما لم يجدوا لهم مظلة قومية واحدة تنسجم فيها كل التيارات العروبية المتناقضة في عالمنا العربي غير أن وحدة ذلك التنوع المتناقض هم الأعداء الخارجيون.

والذين باتت دباباتهم تهدد مصالحهم، ولن تكون الشعوب العربية والإسلامية من جديد إلا وقودا لمعارك وهمية وخاسرة. ترى عن أية قومية تدافع الجماهير في العراق والعالم العربي، قومية عبد الناصر أم قومية صدام البعثية ؟ ترى من هم المسلمون الحقيقيون الإخوان المسلمون أم القاعدة أم الأنظمة الإسلامية الرسمية التي تعلن نفسها حامية للإسلام؟.

لقد عرفت الإنسانية نصائح ووصايا منذ عهد قديم فقد قال المسيح - ونحن في أعياد الميلاد - لا تكذب ولا تقتل ولكننا حتى هذه اللحظة لم نوقف لا الكذب ولا القتل !! أليس بعض زعماء السياسة اليوم هم سلالة قابيل «الم يردد هاملت بأسى » «آه ما اشد ما تعفنت خطيئتي ! أن رائحتها لتفوح إلى السماء ! عليها تقع أول لعنة وأقدمها : قتل أخ لأخيه».

كاتب بحريني