بغروب شمس 31 ديسمبر 2006، وانقضاء فترة الأعياد ـ الإسلامية والمسيحية ـ والتي تزامنت بعد 33 عاماً، نكون قد ودعنا عاماً، ثقيل الخطى، شديد الوطأة، كارثي النتائج، حافلا بأزمات متوالية، وكوارث موجعة، وظواهر متخلفة سادت المنطقة العربية. وها نحن نستقبل سنة جديدة، حبلى بإرث العام المنصرم، ملأى بأزمات وتحديات تحيط بها، ولا يوجد في الأفق ما يبشر بالخروج من النفق المظلم.
لقد شهدت الساحة الخليجية أحداثاً حزينة، أهمها رحيل قادة بارزين محبوبين من قبل الناس، انتقلوا إلى رحاب ربهم بعد أن تركوا مآثر وأعمالاً باقية تخلد ذكراهم في النفوس، المغفور له الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم والشيخ جابر الأحمد الصباح، أمير الكويت الراحل. كما شهد العام المنصرم رحيل أعظم من أنجبته الأرض العربية إبداعاً في الفن الروائي نجيب محفوظ.
ولقد مرت المنطقة بأحداث كارثية وأزمات قاصمة، منها الهجمات الإرهابية التي عمت المنطقة وأرادت إسقاط السلطة والدولة وتمكنت الأجهزة الأمنية من التعامل معها بنجاح، ولكن أخطر الأزمات أو التحديات التي تواجهها المنطقة العربية ـ مجتمعاً ودولة ـ هي (التحدي الطائفي والمذهبي) ممثلاً في تنظيمات عقائدية، تتعاطى الشأن السياسي من منطلق عقائدي متشدد، وتسعى إلى تقويض مفهوم (الدولة الوطنية) عبر ميليشيات تستقوي بالدعم الخارجي: تمويلاً وسلاحاً ونفوذاً سياسياً وإعلامياً إجماعياً.
ولا تتورع هذه التنظيمات عن توظيف سلاح (التخوين) و(العمالة) و(التبعية للخارج) ضد حكوماتها الشرعية وخصومها السياسيين، كما تستثمر مفردات دينية مثل (الجهاد) و(المقاومة) و(الدفاع عن المقدسات) في سبيل أهدافها السياسية، وتعتبر أي نقد لسلوكياتها أو المساس بسلاحها خيانة ومساساً بالمقدّس!
وما يحصل في العراق من صراع مذهبي، وفي لبنان من تخندق طائفي، وما تمثله (حماس) من جمود سياسي، وكذلك ما مثلّته الجماعات السلفية المسلحة من عدوان مستمر ضد كيان الدولة والمجتمع، وأيضاً ـ ما جسدته (المحاكم) فرع طالبان في الصومال من إعلانها (الجهاد) ضد حكومته وفتحها باب الجهاد أمام المتطرفين من كل مكان.
وما مثلته كتائب الإخوان في استعراضاتهم القتالية في حرم الأزهر الشريف وما أفرزته انتخابات البحرين من توجهات راديكالية يُخشى أن تهز صورة البحرين الجميلة، كل ذلك ما هو إلا تجليات هذه الأزمة العقدية التي تسعى لتهميش مفهوم (المواطنة) باعتبارها رابطاً جامعاً يعلو كل الروابط والانتماءات الطائفية والقبلية، وتحاول عبر الميليشيات والاحتكام للشارع وتجييشه ـ لتقويض أسس (الدولة الوطنية) عبر إحلال (كيانات) دينية سياسية محلها.
بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر الكارثية وبقوة الدفع الخارجي، عمّت مشاريع الإصلاح والتغيير المنطقة فانتعشت الآمال بدخولنا عصر الإصلاح العربي الذي طالما حلم به وسعى إليه (المصلحون) ويبدو أننا بالغنا في التفاؤل أو كنا واهمين، فها نحن نستقبل العام الجديد وشبح الحروب الأهلية والنزاعات الطائفية مُخيّم على المنطقة، لا خط أحمر ـ الآن ـ عاصماً للدماء بين أبناء المجتمع الواحد،
ولا حديث عن الإصلاح إلا من باب الأماني، زادت المؤتمرات والندوات التي تبحث عن الإصلاح لدرجة اليأس وانحدرت لغة الحوار بين أطياف المثقفين لدرجة الفرقة والانقسام والاتهامات المتبادلة، وتصاعد الخطاب التخويني والتكفيري والتشكيكي، حتى عمّ واستشرى وأصبح كالوباء وأصبح بعض خطبائنا ومشايخنا أشبه بالمدّعين والقضاة والجلادين، ووصل ترّدي الحالة الفكرية والمجتمعية لدرجة تهديد د. سعاد صالح، أستاذة الشريعة، لأنها قالت إن النقاب ليس فريضة.
ها هم العراقيون يسعون للهجرة، طلباً للأمان، واللبنانيون ـ من بعدهم ـ يتجرعون المرارات وطموحهم الهجرة والبحث عن وطن بديل! لقد أصبحت (البطاقة الخضراء) حلم الملايين من العرب بالإقامة القانونية في الولايات المتحدة، هرباً من الأوضاع غير الآمنة، لقد عاشت المنطقة زمناً عصر «التعصّب القومي» وتعيش الآن عسر «التعصب الطائفي»، عصر جنون الأقليات الجامحة ـ بتعبير صحيفة «السياسة» أو «الشارع المستبد، المنفلت» بتعبير الدكتور أحمد الربعي، عافاه الله، إذ يقول: «علينا أن نتوقف عن لوم المستعمر المستبّد، والحاكم المستبّد، فقد جاء زمن الجمهور المستبّد».
ما أسباب تنامي هذ المد التعصبي؟ بداية يجب توضيح أن ما تعانيه المنطقة من تصاعد «موجات وفورات العنف والتطرف والتعصب» ليست وليدة اليوم بل هي (إرث) ثقافي ممتد في العمق التاريخي، حين حمل (الخارجي) سؤاله وسيفه ـ معاً ـ كما يقول د. أحمد معيطة ـ الإسلام والخوارج ـ سؤاله: أين المساواة الإسلامية؟! وسيفه الذي استحل دماء الصحابة.
بل وقبله في واقعة الجمل التي قتل فيها الآلاف من الصحابة، ومقتل الحسين رضي الله عنه وما حاق بأهل البيت على امتداد العصرين الأموي والعباسي ـ فالصراع السني ـ الشيعي، والصراعات بين أهل السنة أنفسهم بين سلفية وصوفية وأشعرية حول من هي الفرقة الناجية!! هي جزء من صراعات الماضي الممتد بـ (14) قرناً، لكنها كانت مدفونة في الصدور والقلوب أو في (اللاوعي الجمعي السني والشيعي) طبقاً لشاكر النابلسي.
وما يحصل الآن أن الانفراج النسبي لمناخ الحريات (من جهة) وعدم وجود استراتيجية عربية لفرملة التمدد ومواجهة الاختراق وسد الفراغ (من جهة ثانية) أتاحا المجال الملائم للإرث التعصبي المقموع أن يظهر على الساحة. فالأرض العربية تخرج ـ الآن ـ أسوأ ما في باطنها من غرائز تعصبية طائفية ومذهبية لطالما كبتت وقمعت،
إنها إذن (ثقافة الكراهية المتبادلة) بين طوائف وفرقاء الأمس، وليست كما يدعي البعض من أنها (أزمة شرعية أو مشروعية السلطة) ولو كان ذلك صحيحاً لما استمر نظام (الخلافة) وهو نمط استبدادي في الحكم، نظاماً شرعياً (14) قرناً!! بل إن جمهور الفقهاء شرعنوا (إمامة التغلب) ونظروا لاحتكار (قريش) للسيادة.
لقد أبى العام المنصرم أن يودّع قبل أن يتأيّد الحكم على رمز الاستبداد الأشهر في المنطقة والذي غذى النزعة الطائفية على امتداد ثلاثة عقود شكلت (كابوساً) جاثماً على صدر العراق والمنطقة بأسرها.
كاتب قطري
