لا نعرف من هو مبتدع مصطلح "الكوميديا السوداء" وفيما إذا كان يعرف العراق وتاريخه، أو سبق له معاينة الحياة على الواقع المعاش، إذ تنطبق تلك الكوميديا على مجمل الأوضاع العراقية، القديمة والحديثة.

مرحلة صدام انتهت بدخول القوات المحتلة بغداد، ومن يعتقد أن بإعدامه بداية مرحلة جديدة ربما يكون صادقاً بأن طلاقاً، بدون رجعة سيتم بين الشيعة والسنة، ليس لأن صدام بدون سوابق، ولا جرائم، إلا أن خيار التوقيت جاء كنوع من الانتقام والتشفي، وتحدي مشاعر المسلمين، ونعتقد لو أن مجرماً تم الحكم عليه بأي دولة، فإنه من المستحيل اختيار مناسبة مماثلة لأعياد أو احتفالات أن يعدم فيها الشخص المدان.

موقف المملكة من استهجان الإعدام يوم عيد الأضحى المبارك، كان شجاعاً وواضحاً، رغم التباعد بينها وبين فترة حكم صدام، والأضرار التي لحقتها من جراء تصرفاته، لأنها فصلت ما بين حقها الخاص، وبين الموقف الأخلاقي والإنساني، ويكفي الاستشهاد بمثل قريب على تأكيد إنسانية خادم الحرمين الشريفين، حين عفا عن الليبيين الذين شرعوا في محاولة تفجير موكبه، وبأوامر من السلطات الليبية دون مساومة أو عقد صفقات، أو اختيار مناسبة ما لإعدامهم.

الإجراء المستعجل بشنق صدام منحه تعاطفاً إسلامياً وعالمياً لم يكن يحلم به إذ لو كان تنفيذ الحكم تم بتوقيت آخر، وبإخراج أكثر حكمة لربما صار أمراً فرضه الواقع، واحتمال أن الأميركان عقدوا صفقات مع بعض الفاعلين في الساحة العراقية، حتى تختفي ملفات مرحلة ثلث قرن من حكم صدام، قد تكون الهدف الأهم خاصة وأن الحكم صدر من خلال قضية واحدة دون أن تستكمل وقائع وأحداث أكثر أهمية في تاريخه..

العراق يعيش مرحلة احتقان خطير أدى الى تصعيد التصفيات والتارات، وصدام جزء من الحرائق التي بدأت مع قتل العائلة المالكة الهاشمية، ثم سحل عبدالكريم قاسم، وإنهاء حكم الأخوين (عارف) ثم شنق صدام في يوم عيد النحر، لكن التبعات لن تقف عند نهايات قريبة طالما أبشع أساليب التفجير والقتل وصلت إلى العمال الفقراء ودور العبادة، والتهجير القسري من أحياء لصالح قاطنين جدد.

وفوق ذلك الادعاء بأن العراق يتقدم خطوات كبيرة نحو الديموقراطية، وهي مفارقة عجيبة، أي أن أولويات الديموقراطية التعايش السلمي وفق قانون لا يفاضل بين المواطنين، مذاهبهم وقومياتهم وأجناسهم غير أن ما يجري في العراق يعاكس ذلك كله حين يتم القتل على الهوية كمشروع تسانده بعض القوى الأمنية وأطراف بالحكومة.

الكوميديا السوداء، ومسرح اللامعقول هما لعبة الموت في العراق وتلك مأساة وطن عاش تاريخه على العنف المتعمد.