كانت مطالبة المجلس الإسلامي في اسبانيا بفتح جامع قرطبة أمام جموع المسلمين لأداء الصلاة فيه جنباً إلى جنب مع أشقائهم من المسيحيين فرصة ذهبية لإحداث اختراق حقيقي ملموس في جدار منظومة الطروحات النظرية الداعية إلى حوار الحضارات والتي تضمنتها الكثير من المبادرات حول العالم ولكن أهمها وآخرها هي المبادرة المشتركة الاسبانية التركية التي تم الإعلان عنها أخيراً على لسان رئيسي وزراء البلدين ثاباتيرو وأردوغان.

لكن رفض الكنيسة الكاثوليكية الإسبانية بشكل قاطع هذا المطلب جاء كالصاعقة ليس على رؤوس المعنيين بالأمر من المسلمين فحسب وإنما أيضاً على رؤوس كل من يؤمن بتعايش الناس على اختلاف مشاربهم العرقية والدينية، لأنه يجهض فكرة كان بوسعها أن تشكل أنموذجاً يحتذى في جميع أرجاء المعمورة مسجلاً فتحاً لا يخص المجتمع الإسباني بمسيحييه ومسلميه ويهوده فحسب وإنما يخص مجتمعات الكرة الأرضية كافة.

ليس من حق أي جهة أن تحرم البشرية من بارقة أمل إذا ما وجدت سبيلها إلى الحياة ورأت النور، فمن المؤكد أن قوتها ستكون بلا حدود وستكون أقوى بأضعاف مضاعفة وبصورة لا مقارنة فيها من كل ما جنده المجتمع الدولي وعلى رأسه الولايات المتحدة من جيوش وأموال وأرواح لمحاربة ما يسمى بالإرهاب.

لقد تعاملت الكنيسة الإسبانية مع المطلب الإسلامي من منظور أكثر من ضيق، فهي لم تر في الأمر سوى نوع من درء خطر ماثل في أذهان أسيادها فقط، في حين أنها حرمت اسبانيا والعالم من مخرج حقيقي من الأزمة الكونية التي تعيشها في الوقت الحالي. وربما كان من الأجدر أن يتخذ هذا القرار على مهل وأن يأخذ كل الأبعاد اللازمة انسجاماً مع حجم ما يمكن أن يحققه من أهداف عجزت أعتى قوى العالم عن تحقيقها.

إنها دعوة للكنيسة الكاثوليكية عموماً، وليس في اسبانيا فحسب، إلى مراجعة هذا القرار بالتعاون مع حكومات العالم كافة والأمم المتحدة، لا بل ان أهمية الفكرة ترقى إلى دعوة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة إلى الانعقاد لمناقشتها بصورة جدية واتخاذ القرارات اللازمة حيالها.

ألم ينعقد هذا المجلس مرات عديدة لمناقشة موضوع ما يسمى «الحرب على الإرهاب»، أليست الفكرة جديرة بالنقاش واتخاذ القرارات المناسبة حيالها علها تخرج البشرية من دوامة لا أحد يعرف أين ستؤدي بنا بعد كل هذا القتل والدمار والمعاناة، التي سادت العالم منذ رفعت منظومة من المقولات الهدامة مثل «فوبيا الإسلام»، والتي تقوم في المقام الأول على أساس منهج الأحكام المسبقة، المرفوض جملة وتفصيلاً، لأنه يحرم أصحابه نعمة البصيرة ويحرف أنظارهم واهتمامهم عن جوهر القضايا التي تواجهها البشرية جمعاء.

إن مقارنة بسيطة بين الجغرافية التركية كنقطة التقاء بين الحضارة الإسلامية والحضارة الأوروبية ومن خلفها الغربية عموماً، تبين بوضوح أن الكنائس تنتعش في تركيا وهناك بعض المساجد التاريخية العملاقة مغلقة، بينما يتحول جامع قرطبة إلى كنيسة مسيحية ويحرم أسلاف من شيدوه من أداء شعائرهم الدينية فيه.

عندما أطلق كل من رئيسي وزراء تركيا وإسبانيا مبادرة حوار الحضارات الشهيرة، ألم يخبر السيد أردوغان نظيره الإسباني كيف تتعايش الأديان على أرض تركيا وربما في بلدان عربية أيضاً؟ ألم يسر له بحقيقة أن أتباع الديانة المسيحية لا يشكلون سوى أقلية قليلة في المجتمع التركي

وفي البلدان العربية أيضاً ومع ذلك فإنهم يتمتعون بكل حقوقهم كاملة غير منقوصة، لا بل إن أحداً لا يجرؤ على فتح هذه السيرة على الإطلاق. وماذا عن أهم العواصم والمدن وحتى القرى العربية التي تتعانق فيها الديانتان السماويتان تحت سقف واحد؟

لابد من التذكير أخيراً أن هذه الممارسة من الجانب الإسباني ليست جديرة بالحضارة الإنسانية، خاصة إذا أخذت في سياقها التاريخي الطبيعي، وفيه أن المجتمع الإسباني يقيم الدنيا ولا يقعدها كلما بادر المسلمون الأسبان إلى التعبير عن أنفسهم

لاسيما حين يتعلق الأمر بممارسة عقيدتهم الدينية وفي المقدمة منها حقهم في تشييد مساجد تليق بديانتهم السمحة ومحاولة بناء مسجد في غرناطة مؤخراً، التي لا يعرف مصيرها حتى الآن، خير دليل على ذلك. أما الحجة دائماً فهي الخوف من انبعاث الإمبراطورية الإسلامية في الأندلس.

bassil@albayan.ae