قرأت في صحيفة القبس في عددها الصادر يوم الخميس 28 ديسمبر الماضي، مقالاً جاداً من الكاتب والباحث السيد ياسين، حول أزمة السلطة في العالم العربي تتجلى مظاهرها في نظم ملكية وجمهورية، ويحدد الكاتب مسبباتها إلى غياب المشاركة السياسية ومحو المجتمع المدني محواً كاملاً،
وأن هذه الأنظمة تتهيب من الانفتاح وتناور مناورة خاسرة مع النظام العالمي كي تتهرب من استحقاقات التحول الديمقراطي، ويضيف الكاتب بأن من المسببات أيضاً غياب سياسات فعالة لتحقيق العدالة الاجتماعية، فالفجوة عميقة بين الطبقات العليا والطبقات الدنيا مع خلل في أنماط توزيع الثروة القومية ينعكس على نصيب كل طبقة من الدخل القومي.
ونعترف بأن غياب المشاركة والقهر الاجتماعي هي مسببات ولدت أزمة الحكم التي نراها في بعض الدول، ونضيف عوامل أخرى مستقاة من تجربتنا الخليجية التي تبقى أصلب التجارب في العالم العربي، حيث حافظت على الاستقرار والاستمرارية مع التدرج في الانفتاح وبما يتفق مع قدرة الدولة الخليجية على الاستيعاب.
ونود أن نكثف الاهتمام بتجارب الدول العربية التي تبنت أيديولوجيات وتعمقت في الالتزام بها ووضعتها القاعدة الوحيدة التي تستهدي فيها مسيرة الحكم، واعتبار المبادئ التي تتحدث عنها هذه الأيديولوجيات المشروع التنموي لأنظمة الحكم، بصرف النظر عن واقعيتها وبعدها عن المضمون الحقيقي وذهابها إلى الحدود الخرافية في طرحها وأهدافها.
وفي هذا الجانب يمكن إبداء بعض الملاحظات:
أولاً: ظل حزب البعث العراقي مع حزب البعث الآخر في سوريا، يرافقهما الفكر العروبي القومي، يضخ منذ الأربعينات في شعاراته مادة من التغذية السياسية الخرافية التي تتحدث عن أمة واحدة، رسالة خالدة، واشتراكية واعدة، فيها الوطن العربي الواحد الممتد من الخليج إلى المحيط، في طرح شوفيني، ممارسة للعدمية في علاقته مع الآخرين من تجمعات وأعراق وأفكار وطوائف ومذاهب، ففي العراق تولى حزب البعث السلطة بالتآمر،
وحكم بالحديد والسحل والإعدام وأباد الأقليات واجتث المعارضين ونكل بالداعين للديمقراطية، وشن حروباً على الشعب الكردي المناضل بما فيها الأسلحة الكيماوية، وهمش الشيعة ونكل بالزعامات الشيعية المستنيرة بما فيها السيدات، وصار العراق في عهد النظام البعثي القومي مقبرة للرأي الحر، ومهدداً للجوار، ومتعالياً على أهل الخليج،
ومبتزاً لحكامهم وطارحاً النموذج الألماني الهتلري بحقوق التفوق الجغرافي على حسابهم يغطي نواياه التوسعية تحت ستار الأرض العربية الواحدة والحدود المصطنعة.ولا عجب الآن عندما نرى الشعب الكردي يرسخ استقلاله الداخلي مع الإصرار على الفيدرالية بعد المعاناة من الفكر القومي العروبي، الذي دمر الآخرين من الفئات غير الإسلامية وطردها، وأذل الشيعة الذين يكافحون الآن بعد العذاب من الأيدلوجية القومية.
وفي الكويت عشنا مع شعارات صدام حسين وحربه وآلياته الإرهابية في الإصرار الانتهازي على وحدة تراب الأمة لكي يتوسع، على حساب سيادة الكويت ووحدة ترابها، وعانينا في الخليج من الأمرين من تدخلاته بحجة حقوق الأمة، والحفاظ على أمنها ومسؤولية العراق في القيام بهذا الدور.
ثانياً: أفرزت الأيدولوجيات العروبية المتطرفة رفضاً وشكوكاً وتمرداً من الآخرين، نراها في السودان الذي عاش خلال العقدين الماضيين، في أزمة حكم بسبب عدم اعتراف سلطاته بحقوق المواطنة ومساواة المواطنين واحتكار السلطة والامتيازات وفق نهج فئوي حيث احتكر أهل الشام السلطة والقوة والحقوق، مع تجاهل تام للحقوق الدستورية والمدنية والإنسانية للمواطنين الآخرين،
فإذا ثار الجنوب فلا مفاجأة فيها، وإذا غضب دارفور فلا غرابة فيها، وإذا انفصل السودان فلا حزن عليها، لأن بذور التباعد والشك وانعدام الثقة وضعها النظام المحتكر للامتيازات منذ الاستقلال على حساب أهل الجنوب والغرب والشرق. وأزمة الحكم تأتي عندما تشعر فئات من المواطنين بأنها مقطوعة من اعتبارات النظام الذي يعاملها بالريبة ويتربص بها، فالسودان والعراق هي حالة نتاج لأزمة حكم استمرت من دون اعتراضات من الرأي العام ومن هيئات المجتمع المدني، وكلنا شركاء في هذا التقصير وإن كان بنسب متفاوتة.
وعلينا أن نتذكر بأن الظلم الداخلي والإبادة والتهميش دفع بالتجمعات الفئوية والشيعية على الاستقواء بالخارج الذي استغل غياب الحقوق فتبنى الدفاع عن هذه الحقوق، ويمكن لنا دراسة كيفية تعاظم دور حزب الله في الجنوب اللبناني الذي عاش الشيعة فيه بالتهميش وأفرز هذا التهميش شخصيات مثل حسن نصر الله ومثل موسى الصدر مستلهمين القوة والدعم.
ثالثاً: يجب تصحيح المفاهيم التي تنظم العلاقات العربية، لكي لا يضيع الواقع، وتتوه الحقائق وسط صخب شعاراتي لا معنى له، وقد درسنا جيداً نحن في الكويت العبر من الغزو العراقي، وأبرز الدروس أن الخطر يأتي من الجميع، من جوار عربي وغير عربي، وأن القوة هي الضامن الوحيد للاستقلال، فلا معنى لشعار الأمن القومي العربي الذي تضخه الإيديولوجيات والأحزاب.
شهدنا في الكويت من يرقص فرحاً على المأساة الكويتية، وسمعنا من يدعو صارخاً لإبقاء صدام في بلادنا، وقرأنا من يكتب مبتهجاً بنهاية الحدود المصطنعة بين الخليج والعراق، ولا أعرف معنى الأمن القومي العربي وما هو تعريفه وأن يقع، ومن هو الذي يضع أمنه معتمداً على شعارات خرافية. فنحن دول عربية في إطار الجامعة، ولسنا وطن عربي واحد، لكل منا سيادته وحدود وجواز سفر ووثائق، نسافر حسب الأصول وفق واقع الوثائق وليس وفق صيحة الشعارات، نذهب بتأشيرة، ونستقبل الآخرين بتأشيرة.
رابعاً: في احتفال البرلمان العربي بمناسبة مرور سنة على إنشائه عقد البرلمان العربي جلسة تذكارية في قاعة الجامعة العربية، تحدث فيها الرئيس المصري حسني مبارك.
وفي كلمة رئيس البرلمان العربي محمد الصقر حدد ثلاثة أهداف أمام البرلمان العربي الذي يترأسه وهي:
استعادة ثقة المواطن العربي بالعمل العربي المشترك ومؤسساته.
تعميق مفهوم الديمقراطية والانتقال من مستوى الشعار إلى التنفيذ.
وقومياً ودولياً مع المشاركة الشعبية الضرورية في بناء القرار العربي وضمان نجاحه.
نقول لرئيس البرلمان العربي أن أول الأبجديات في العمل الديمقراطي المنفتح هو المساءلة والمحاسبة، وكان بودنا لو قدم للرئيس تقريراً عن واقع الديمقراطية في العالم العربي، وكشف لنا التطورات التي تمت خلال عام ومدى ما تحقق من الحقوق الدستورية للمواطنة في كل دولة، ومسببات انعدام الثقة في العمل العربي المشترك، وأسباب عدم البدء في إجراءات الانفتاح في بعض الدول العربية.
ونحن نكرر دائماً بأن التجارة والاقتصاد هي التي تشيد أهرامات المصالح، فالاستثمار وتبني سياسات الانفتاح الاقتصادي هو الطريق الوحيد والسليم لتحقيق التبادلية في المنافع، وبدون ذلك تبقى الشعارات التي لا جدوى منها، فلا زلت كمواطن من الخليج لا أشعر بأن لي قاعدة المصالح مع ليبيا أو مع موريتانيا،
وبعضنا الآن يذهب إلى السودان مستثمراً مستفيداً من التطور في الانفتاح، وهو مؤشر صحي يجب أن يستذكره رئيس البرلمان العربي عند الحديث عن كيفية بناء التواصل، ليس بالشعارات المدمرة وليس بالإعلام السفيه، وإنما بالعمل الاقتصادي المثمر، وأبرز شروطه خلق البيئة الملائمة.وعن طريق المصالح والسياسات الاقتصادية الاستثمارية ينحسر النهج السلطوي المباحثي وتضييق الفجوة بين المنتفعين وبين المهمشين.
كاتب كويتي
abdullah_bishara@yahoo.com