باتت الولايات المتحدة الأميركية تشكل محور السياسات على مستوى العالم، وهي في هذا يختلف القبول أو الرفض لها باختلاف أقاليم العالم. وهي في الوقت الذي تحتل مواقع متقدمة ومتصاعدة التأثير في شرق وجنوب آسيا، بدت مواقعها مختلة بعض الشيء، بل ومتقهقرة في أجزاء من أميركا اللاتينية وافريقيا. وتبقى علاقتها بالمنطقة العربية تحمل طابعا مختلفا عن الأقاليم الأخرى بفعل مجموعة من المعطيات الاقتصادية والإستراتجية: وبفعل إسرائيل والنفط والعراق وإيران.
وسواء أكانت الولايات المتحدة والعرب أو العرب والولايات المتحدة الأميركية، فموقعنا كأمة في الأول أو التالي لن يغير من الأمر في شيء، فنحن في علاقتنا بها نواجه مصفوفة من المشكلات المعرفية والثقافية والسياسية، كما انهم في علاقتهم بنا يواجهون ذات المشكلات ولربما أعمق من ذلك بكثير أو قليل. ومحاولاتنا الآنية لتطويع سلوكها الجامح لم يغير من جوهر المشكلة في شيء.
فلا تستطيع أي من الدول العربية أن تقول انها قد استطاعت إحداث تغيير أساسي في الموقف الأميركي من العرب، أو من بعض مشكلاتهم، في حين تستطيع إسرائيل وبكل ثقة ان تقول انها تستطيع أن تحدث تغييرا جوهريا في الموقف الأميركي ليس فحسب من قضايا المنطقة العربية: فلسطين والعراق وإنما هي قادرة أن تحدث هذا التغيير في موقف الولايات المتحدة من مواقع جغرافية ومناطق إقليمية بعيدة عنا، كروسيا أو جنوب وشرق آسيا وأميركا اللاتينية وافريقيا.
ألم تكن إسرائيل مدخلا لعلاقات أفضل بين الهند والصين من جهة والولايات المتحدة الأميركية من جهة أخرى. بمعنى آخر إن إسرائيل تمتلك مواقع أخرى غير تلك المواقع السياسية التي من خلالها تستطيع أن تطوع أو تغير من المواقف والسياسات الأميركية، في حين إننا لم نستطع أن نغير من هذا الأمر في شيء،
ولربما المرة الوحيدة التي اعتقدنا أو أعتقد البعض منا اننا بإمكاننا أن نغير من سياستها، فكان ذلك عملا كارثيا بالنسبة لنا وكسبا دون حدود لدولة إسرائيل: أقصد هنا العمل الإرهابي الذي قامت به جماعات القاعدة في أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001. بل أن نفرا منا مازال يعتبر هذا العمل بطوليا وأن من قاموا به ما هم إلا «مجاهدين وشهداء».
بل تطور الأمر لاعتبار هذا العمل الكارثي بكونه؛ «عملا جهاديا» وأسماه البعض منا «غزوة منهاتن» تيمنا بغزوات النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)!!. وتلكأ العرب في شجبه أو في التطهر منه أو في التخلص من أصحابه، بل أن هناك مواقع في المنطقة العربية قد فرحت لذلك لأنها كما يقولون قد أصابت «الشيطان الأكبر» في مقتل وخدشت كبرياءه.
وأعتقد إننا امة لم تُحسن التعاطي الفعلي مع هذا الحدث وتبعاته، بل ان هناك من صفق وهلل له، رغم مرور أكثر من خمس سنوات على حدوثه، فنحن لم نُحدث تغييراً مهما في فهمنا لهذه الدولة العملاقة، وعرقلنا أية إمكانية حقيقية في تطور فهمنا لها ومعرفتنا بآليات حركتها.
وبتنا لا نملك رأيا مؤثرا فيها ولا مصالح لها أو لنا يمكن أن تتضرر بتغير أحوال العلاقة معها، وباتت هي تمثل الدولة القادرة على إحداث الضرر دون أن تتضرر. وبات أي عمل أو ضرر يحدث لنا نبحث فيه عن خيوط أو أياد خفية لهذا «الشيطان» الذي سَكَننا قبل أن نُسكِنه شيطاننا.
بل بات الآخر رغم مشاغله الكثيرة في العالم مهووس بشيطاننا أو إرهابنا، وبتنا عوضا عن أن نبحث عن مخارج حقيقية لمآزقنا، مشغولين بتعليق كل إخفاقاتنا على شماعة هذا «الشيطان». ولم نستفد من تجارب دول ومجموعات إقليمية أخرى كانت أكثر نضجا وأنصح في فهمها لها منا، رغم سبق علاقتنا بها ورغم تمفصل مصالحها الإستراتيجية بنا..
أن مآزق علاقتنا بالولايات المتحدة الأميركية هي في قصور فهمنا لها، كما هو عطب فهمها لنا. فرغم كثرة خبراء هذه الدولة العملاقة ودارسيها لنا، إلا أن فهم هؤلاء لخصوصية هذا التكوين مازال قاصرا أو سطحيا أو بتعبير أكثر دقة مازال قشري المعرفة، غير قادر على إدراك ما يموج في داخل الفرد ونسيج المجتمع، ومازال إدراكه لمعضلنا السياسي ناقصا أو مشوها أو أنه متلبس بفعل عوامل شتى بالفهم الإسرائيلي أو متأثر به.
يكفي القول حتى ندرك ذلك ان أغلب الدارسين للإسلام والعرب من الأميركان والعاملين في المراكز الفكرية والعقلية الأميركية المؤثرة في صنع القرار فيها هم من الجماعات الأميركية ذات النزوع الصهيوني أو المتعاطفة معه. ويمثل هذا القصور في أبلغ صوره تلك النصيحة أو التشجيع الذي تلقت الإدارة الأميركية،
من خبرائنا الكُثر، في غزوها للعراق ثم في إدارتها للصراع هنا، ثم في خصامها مع بعض إطرافه العراقية وخصامها الآخر مع حلفائها العرب فكانت النتيجة الكارثية لها في هذا المستنقع الذي يبدو أنه يشدها نحو مزيد من الانزلاق بل الإغراق، وكان الفرح العلني من أعدائها ولربما الشماتة غير العلنية من أصدقائها وحلفائها العرب.
ولم يفلح العرب الأميركان في اختراق هذه السطوة وقوة هذا الحضور. فعطب موقعهم وتشتت جهودهم جعل منهم ريشة تلعب بها الريح ولعبة خفيفة تتقاذفها الأمواج. ورغم وجودها، أي الولايات المتحدة الأميركية، الذي تجاوز القرن من الزمان في هذه المنطقة، إلا أنها قد فشلت في التواصل مع شعوب وقوى هذه المجتمعات،
كما أنها فشلت في تشييد معابر من التواصل مع منظماته وتنظيماته المدنية والثقافية والسياسية. واكتفت هي بعلاقات فوقية مع بعض أنظمة وحكومات يفتقر أفضلها لشرعية التواصل مع مجتمعاته، فعمق ذلك من الموقف المعادي والرافض لها: فكانت كما يقول الكاتب الصحافي الأميركي المعروف فريدمان هذه الثنائية المتناقضة في خطاب بعض الحكام العرب: موقف علني مجار لموقف هذه الشعوب وآخر غير علني مجار للولايات المتحدة الأميركية وقابلاً بكل سياساتها.
كما إننا من ناحية أخرى عجزنا عن أن نقيم ولو مركزا فاعلا غير منحاز انحيازا أيديولوجيا، لدراسة المجتمع والثقافة وآليات صناعة السياسة الأميركية، ولم تفلت أي محاولة لتحقيق ذلك من الوصم وبالتالي العزلة والتضييق. حتى تلك الدول التي تعتبر نفسها من الدول الأقرب والحليفة للولايات المتحدة الأميركية في مواقفها السياسية ومصالحها الاقتصادية لم تخط خطوات عملية على الواقع لتحقيق هذا الفهم أو لتشكيل اختراق مهم داخل المجتمع الأميركي، وفهمها لهذه الدولة وسياستها وثقافتها لا يعدو أن يكون فهما كما هو الآخر، سطحيا وقشريا.
ونتيجة لكل ذلك أفتقد كلا الطرفين إمكانية التواصل عبر قنوات أخرى غير قناة أزماتنا السياسية، وإخفاقات استراتيجيات الآخر العسكرية. وأغفل الجميع بدراية أو جهل أهم قناة من قنوات التواصل بين الشعوب: وهي القناة الثقافية والتوافق القيمي، وشكلنا في داخلنا صورة عنه أو عنها بعيدة عن الحقيقة كما هو قد عمل الآخر على تشكل صورتنا المشوهة لديه، لتحقيق استمرارية هذا العداء، الذي لا يمكن أن يكون أبدا في صالحنا كأمة وفي صالح الآخر كقوة وعملاق عظيم.
كاتب بحريني