عام انقضى وآخر أنطلق. وجرى التقليد ان يستبشر الناس خيراً بالجديد. خاصة اذا كان الذي انطوى مثقلا بما يهدّ الجبال وليس فقط الصدور. 2006 كان من هذا العيار وأكثر. ماعونه فاض بالكوارث والحروب والمصائب. كان عام العنف والتصدّع والدم بامتياز. من عنف الطبيعة ـ كاثرينا في أميركا وزلزال كشمير في باكستان ـ إلى عنف العصبيات المنفلتة؛ ناهيك عن احتدام الصراعات المحلية، المختلفة بالاجندات الخارجية؛ وأيضاً بالحروب الاسرائيلية العدوانية والاثيوبية ـ الصومالية. هو بالكاد عرف استراحة من انتاج مثل هذه البضاعة.
المساحات الواعدة فيه وفسحات التفاؤل؛ كانت ومضات عابرة. تطلّ أو توحي بأنها قد تطل؛ ثم لا تلبث ان تتراجع وتتلاشى. الأزمات خلاله، تضخمت وبلغت حدوداً غير مسبوقة، من الخطورة. في فلسطين، كما في لبنان ناهيك عن العراق، انهارت كافة الوساطات والمبادرات والمحاولات، لرأب الصدع ووقف التدهور بين القوى المتصارعة، في هذه الساحات المتفجرة ومع أن هذه الأخيرة كانت ـ ولاتزال ـ جميعها مستهدفة أو مستباحة؛ إلا أنها عجزت عن توفير الحدّ الأدنى اللازم لتعزيز جبهتها الداخلية. أو على الأقل لوقف التآكل والنزف فيها.
كل محاولات الحوار والمصالحة والتوافق، فشلت. حتى التشاور وايضاً التواصل والاتصالات؛ تعطلت خطوطها وحلّت مكانها القطيعة، بين الأطراف المعنية، ناهيك عن حروب الاتهامات والميكروفونات، التي واكبها خطاب طائفي مذهبي لم تعرفه المنطقة من قبل؛ مع «تراشق» سياسي ـ إعلامي عنيف؛ أدّى إلى نسف البقية الباقية من الثقة المتبادلة.
هكذا ترك 2006 المنطقة. بوصلتها مفقودة وأبوابها مشرعة أمام كل الرياح. ولأن هذه التركة محكومة في تداعياتها، بالترحيل إلى 2007؛ فإن التوقعات بالعام الجديد جاءت جانحة بقوة نحو التشاؤم لا بل هي تذهب إلى حدّ القول إنه اذا كان العام الفائت عام كوابيس فان الجاري سيكون عام انهيارات وفواجع. استشراف مبني على قاعدة أن الأمور مرهونة بمقدماتها وأن الرسالة تقرأ من عنوانها وكلاهما معروف، لا يحتاج تبيانه إلى كبير عناء. صحيح.
لكن الأمور ليست ولا ينبغي ان تكون، محكومة بمثل هذه الحرفية والحتمية.لا شك ان الظروف كانت قاسية وكاسرة، لكن لا شك أيضاً أن التعامل معها اعتراه قصور كبير. التحديات والتطورات العاتية التي عصفت بالساحات العربية المعروفة، كانت أكبر من هذه الساحات منفردة. وهذه الأخيرة كانت شديدة الهشاشة، من الداخل. تضافر الاثنين، ادّى إلى الحالة الراهنة وما تنطوي عليه من تهديدات مصيرية. فالمشهد من هذه الناحية شديد الوضوح، بقدر ما هو شديد الانكشاف وسريع العطب.
الأمر الذي يرمي الكرة في الملعبين المحلي والعربي. الأول مطالب بوقف لعبة «ركوب الرأس» الخطيرة، في تعامله مع خصوم الداخل؛ قبل أن يتهاوى الهيكل فوق جميع من فيه. والثاني مطالب بدور مختلف، بالمقارنة والوزن، مع الأزمات العراقية والفلسطينية واللبنانية وأخيراً الصومالية.هذا إذا ماكان المراد منع تركة 2006 من الانتقال منسوخة إلى 2007.
ولابدّ أن يكون الأمر كذلك، عندما يكون الخيار محصوراً بين وضع يهدد المنطقة بوجودها وآخر يعمل على ردّ هذه الكأس عنها. وفي حال انعقد العزم، لن يكون من المحتوم ان يأتينا العام الجديد بأسوأ ما أتانا به العام المنصرم. انقلاب المعادلة ليس بالمستحيل إذا توفرت الشروط اللازمة. وعلّها تتوفر.