أخيرا، سقط القرن الافريقي في المآل الذي كان ينتظره، وانتهى الى اشتعال حريق فيه سيأكل ما تبقّى من «الأخضر» بعد ان احاط به اليابس من كل جهة.
وأغرب ما في الحالة الصومالية، أنها تُركت لأكثر من عقد ونصف، وهي غارقة في الفوضى، وغائصة في حروب تطول وتقصر بدون أن تتحرّك همّة المجتمع الدولي لكي يضع حدا لمآسي تلك البلاد، خصوصا بعد أن راجت تلك «النكتة» التي تقول إن الولايات المتحدة الامريكية بطم طميمها، انهزمت في ربها الخاطفة هناك، وخيّرت الهروب من بأس الصوماليين بعد سحل جنودها البواسل في شوارع موقاديشو وبعد دوس كرامة جيش الماريز على سواحلها!منذ ذلك التاريخ تعرّض الصومال لكل ما تكرهه أي دولة!
فقد انشطرت الدولة الى دولتين، كما تعرّضت الى جوائح طبيعية أدّت بشعبها الى المجاعة بسبب الجفاف والى التشرّد بسبب الفيضانات الكاسحة، ثم بعد مشقّة حاول جزء من «أرض الصومال» ان يحاصر فوضاه وأن يجمّع ما تبقى منه، فأقام برلمانا مؤقتا وشكّل حكومة وبدأ يتحسّس طريق الحياة ويستجدي معونة العالم... لكن اللعنة الصومالية الدائمة كانت دائما اقوى من ترياق الشفاء... وتمائم السحرة الأفارقة من تجّار الحروب وأمرائها كانت دائما أشدّ بأسا من أحجبة طرد العين التي علق عليها الصوماليون آمال خروجهم من اللعنة.
ولا صاحب عقل واحد يعتقد أن جيوش اثيوبيا التي تقوم بحرب تجريبية وبالوكالة بامكانها أن تحمل معها الحل المرجوّ. بل على العكس فإن وجودها هناك سيعقد أوضاع الصومال وأوضاع إقليم منطقة القرن الافريقي كلها وسينتهي الأمر بالمجتمع الدولي المتوجس من أشياء كثيرةاما الى اصدار قرار دولي للتدخل هناك وإما الى توريط اثيوبيا التي تقوم بحرب تجريبية تتحسس من خلالها كيفية الحروب هناك وتقدم الدروس المستخلصة منها إلى من يهمه أمر الصومال !
أمر الصومال الذي سيلقي بظلاله على منطقة يوجد من بينها السودان المتوتر أصبح يهم بين ليلة وضحاها دولا كثيرة في العالم العربي ومن بينها مصر واليمن وهما الأقرب الى تأثيراته وارتريا التي قد تعود «أقرب» إلى دولة عربية بعد أن فكت ارتباطها بهذا العالم بل وذهبت الى حد مغازلة اسرائيل واحتلال جزر يمنية لم تغادرها الا بقرار من محكمة العدل الدولية.
المنطقة، اذن تفور منذ سنوات بحروب عديدة ومن ضمنها حربان بين اثيوبيا وجارتها ومستعمرتها القديمة إرتريا، وحرب بين شمال السودان وجنوبه وعدة حروب صومالية ثم حرب في منطقة دارفور ما زالت مشتعلة. لذلك فإن الأهم الآن هو التفكير في ما سيفعله المجتمع الدولي هناك وما يخطط له وليس الانكباب على مشاهدة هذا «التناطح» بين مكونات القرن الافريقي التي اعتادت على كل أنواع السكاكين!