في نفس توقيت يوم النحر‏,‏ أعدمت الإدارة الأميركية بأيدي عراقية الرئيس المخلوع صدام حسين‏,‏ وسط ذهول ألد أعدائه‏,‏ ذلك أنه لو اجتمع كل جهابذة السياسة والاجتماع لاختيار أسوأ توقيت لإعدام الرجل ما وجدوا أفضل من يوم النحر صباح يوم الأضحي‏,‏ وهكذا قدمت الإدارة الأميركية صدام كأضحية علي الفشل الذريع للاحتلال الأميركي الأحمق طوال السنوات الثلاث الماضية‏.‏

علي أن التساؤل المحير بغض النظر عن هذا التوقيت في التسرع بالقصاص منه قبل أن تكتمل محاكمته علي جرائم أشد وطأة من قضية الدجيل التي راح ضحيتها‏148‏ شيعيا‏,‏ خاصة أن قضية الأنفال التي راح ضحيتها‏180‏ ألفا من الأكراد السنة لم تنته بعد‏,‏ فهل هي رسالة تؤجج الفتنة المذهبية بأن دماء طرف أغلي من دماء الطرف الآخر؟

كان صدام في قبضتهم داخل الأقفاص الحديدية‏,‏ ولم يكن من المتصور أن يهرب‏,‏ فلماذا لم يتم الصبر ريثما تتم محاكمته علي الجرائم الأنكي التي ارتكبها في حق شعبه وأمته في حربه لإيران مدة ثمان يسنوات‏,‏ وغزوه المفاجئ للكويت‏,‏ ومناوراته غير المحسوبة في سنوات الحصار‏,‏ وكلها حماقات قتلت وشردت ملايين العراقيين‏,‏ وأهلكت الزرع والضرع‏,‏ وحولت العراق من دولة واعدة تمتلك البشر المؤهل‏,‏ والأرض الخصبة‏,‏ والمياه العذبة والنفط‏,‏ إلي دولة مدينة يتقاذف أهلها حصص تموينية لا تغني ولا تسمن من جوع‏.‏

أما الأغرب من التوقيت السيء والمتسرع‏,‏ فهو ما ظنه العالم أن الإدارة الأميركية ستترجم تقرير هاملتون ـ بيكر بسياسات رشيدة في العراق‏,‏ غير أن الصقور الذين يتحسسون جراحهم نحروه لتذهب معه وإلي الأبد الأسرار والحكايات والصفقات الغامضة‏,‏ ولم يعد بوسع أحد أن يجزم بحقيقة ما حدث طوال عقدين من تاريخ هذه المنطقة‏,‏ خاصة أن كثيرا من القيادات الأميركية متورطة بشكل أو بآخر فيما حدث‏,‏ وبنحره تم دفن هذه الأسرار جميعا ليحصل المحرضين علي صكوك البراءة‏,‏ علما بأن المحرضين علي ما حدث هم بالتأكيد أشد جرما من المنفذ‏.‏

وأيا كان الأمر فإن إعدام صدام حسن سيظل بطارد الإدارة الأميركية الحالية‏,‏ ومن عجيب الأمر أن يخرج الرئيس الأميركي بوش بعد الإعدام ليعلن أن الإعدام لن يوقف العنف‏,‏ وأنها بداية لمرحلة جديدة‏!‏ صحيح هي بداية لمرحلة تغذي روح الانتقام والثأر‏,‏ وستؤدي إلي زعزعة الاستقرار بالمنطقة وتصب الزيت علي نار الحرب الأهلية الطائفية‏,‏ وتعطل جميع جهود المصالحة الوطنية العراقية‏.‏

صحيح أن صدام كان ديكتاتورا يعرف مثل أقرانه أن هزيمته تعي نهاية حياته‏,‏ لكن الصحيح أيضا أن الجريمة التي حوكم بسببها لا تبرر التسرع في هذا الإعدام‏,‏ لأن جرائمه الأخري كانت الأشد والأكثر تأثيرا في حياة شعبه وأمته‏.‏ ذهب الرجل ومعه كل الأسرار ولايزال الأشرار المحرضين طلقاء يشربون نخب الضحية ريثما يعثرون علي أحمق آخر يستجيب للتحريض‏!‏