يخطئ تماماً من يظن أن القرار 1737 الصادر عن مجلس الأمن الدولي بحق الملف النووي الإيراني قادر على ثني إيران عن الاستمرار في مشروعها النووي بكامل قواها ناهيك عن أن يكون مفيداً أصلاً في حل عقدة «عدم الثقة» بعد أن باتت مترسخة بين واشنطن وطهران بهذا الخصوص على الأقل. وذلك للأسباب التالية:
أولاً: ان التقنية النووية الخاصة بالتخصيب تحديداً (وهي الشق الأهم من القرار) باتت تقنية محلية الصنع ـ وطنية ـ تعتمد على كفاءات علمية متوفرة ومتاحة بشكل مريح. وبالتالي ليس هناك ما يستطيع القرار منعه من الوصول إلى أيدي أو عقول أو منشآت الإيرانيين بهذا الخصوص على الأقل، الشيء نفسه يمكن أن يصدق هذا الأمر إن لم يكن أكثر سهولة ويسراً ومفاجأة للمجتمع الدولي بخصوص موضوع الصواريخ الباليستية والتسلح عموماً بعدما باتت إيران دولة حسب بعض التقارير المتداولة بائعة لبعض أنواع السلاح المتوسط حتى إلى بعض الدول الأوروبية الفقيرة!
ثانياً: ان الحصار ومنع وصول أموال أو استثمارات مالية أو حظر اتصالات أو مقاطعة دول أو قوى أو مجموعات في مجتمع دولي بات معولماً بالتمام والكمال وبات أشبه بالمستحيل لا سيما مع دولة مثل إيران قامت واستقامت ونهضت ووصلت إلى ما وصلت إليه حتى الآن في ظل أجواء مقاطعة وحصار!
ثالثاً: إن أساس ما يسمى «بالشبهات» أو «الغموض» أو «عدم الشفافية» الذي يحيط بالبرنامج النووي الإيراني والذي يحاول البرادعي ووكالته الدولية للطاقة الذرية أن يزيله من الملف الإيراني منذ نحو ثلاث سنوات، هو كونها كانت تعتبر نفسها ـ أي إيران ـ محاصرة ومقاطعة وأن المجتمع الدولي تركها «معزولة» أمام قدرها ولم يقدم لها التكنولوجيا والمعلومات والإمكانات المالية اللازمة والضرورية التي تلزمه ـ أي المجتمع الدولي ـ
حسب معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية الموقعة عليها إيران، مما دفعها للجوء إلى «السوق السوداء» و«الطرق الملتوية» والانغلاق على نفسها والابتعاد عن «الشفافية» المطلوبة من أجل الحصول على التقنية النووية المطلوبة للأغراض السلمية «مشوبة» بعدم الوضوح وما سمي فيما بعد «بالغموض وعدم الشفافية» وذلك بعد تراجع المجتمع الدولي عن مسؤولياته تجاهها.
رابعاً: ان الحصار والمقاطعة والضغط ومحاولة إملاء الشروط واستفزاز صناع القرار في إيران أثبت ومنذ 28 عاماً حتى الآن، أي منذ انطلاق هذه التجربة الوليدة القائمة أصلاً على كونها خارج السياقات التقلدية المعروفة في نمو الدول وتطورها جعلها تحشد أكبر عدد ممكن من جماهير شعبها خلف قراراتها وتتوحد في إطار قيامة وطنية فضلاً عن دينية.
استناداً إلى ما تقدم أكاد وأنا أراقب التصرف الدولي الأخير تجاه طهران وكأن لسان حال البعض يردد القول المأثور: «وداوني بالتي كانت هي الداء»!، فالقرار 1737 إذا ما أريد له أن يطبق فعلاً وهو بالمناسبة أمر مشكوك فيه لما تقدم من أسباب وغيرها الكثير مما يحيط من تعقيدات في العلاقات الدولية المحيطة بالقرار،
فإنه يعيد بالقضية والملف إلى مربع الصفر كما يقال، خاصة إذا ما قررت طهران إعادة النظر في علاقاتها وشفافيتها التي كانت تصل إلى درجة جيدة بالمقارنة مع دول أدنى موقعة على المعاهدات الدولية فضلاً عن غير الموقعة في تعاملها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
ثمة من يشكك هنا في حقيقة أهداف القرار 1737، وأنه بالأساس ومعه كل الإصرار الأميركي ومن ورائه التحريض الإسرائيلي، إنما يهدف إلى الإيقاع بإيران لترتكب «خطأ ما» أو تستجيب للاستفزاز باستفزاز ما، ليبدأ سيناريو مختلف لا يريد ولا يبحث عن حل أساساً بل يبحث عن تفجير أزمة دولية جديدة يريد من ورائها «تهريب» فشل الإدارة الأميركية في العراق والانتقام من الفشل الذريع الذي لحق بالقاعدة العسكرية المتقدمة لهذه الإدارة أي إسرائيل خلال حرب الثلاثة وثلاثين يوماً.
لكن إيران التي تعودت وتمرنت وتمرست على هذه الأساليب على ما أظن لن تقع بسهولة في فخ من هذا النوع، وهي التي اشتهرت وذاع صيتها في الآفاق وهي تهرب أو تتهرب من أفخاخ المواجهة المفتوحة مع واشنطن، في كل من أزمات أفغانستان والعراق و لبنان كما يفخر القائمون على صياغة القرار القومي الإيراني.
ليس هناك موقع تقييم أو «تقويم» السياسات الإيرانية تجاه تلك الأزمات وليس هنا محل المقارنة الكاملة، لكن القدر المتيقن الواقع ما بين الاثنين هو أن طهران لن تسعى إلى التصعيد مقابل التصعيد، بل ستعمل المستحيل من أجل منع المواجهة من جهة، كما أنها ستعمل المستحيل نفسه من أجل التمسك بكامل حقوقها القانونية والمشروعة دون ارتكاب أخطاء إضافية من جهة أخرى.
وطهران ليست وحدها في هذا المعترك، صحيح أن ثمة إجماعا دوليا ظهر في صورة القرار 1737، لكن هذا «الإجماع» أشبه بحالة تراهم جميعاً وقلوبهم شتى، فالأوروبيون مستعجلون للعودة إلى طاولة المفاوضات بأي ثمن كان، ولم يكن يهمهم من القرار إلا إرضاء غرور واشنطن حتى يمكنهم الاستمرار من التعاون الدولي معها في أكثر من ملف عالمي مشترك، والروس والصينيون مارسوا «اللعبة» السياسية مع الذئب الجريح في العراق وأفغانستان
وكذلك ساوموه على ملفات أخرى في الطاقة والتجارة والعلاقات الدولية في أكثر من موقع وهم يعرفون تماماً بأن هذا القرار الدولي لن يكون قادراً على الصمود فضلاً عن كونه ليس ناجعاً في التقدم بأشواط جديدة للحل.
كاتب إيراني
